لم يكن الحاج كامل أبو سمرة يظن أن العمر سيمتد به ليشهد نكبتين في حياةٍ واحدة فالرجل الذي تجاوز الثمانين، وما يزال يحتفظ بذاكرة وجع تجددت بعد نصف قرن من الزمان، لتُعاد الصورة بكل تفاصيلها وثقلها ولكن بوجع أكبر ودمارٍ غير مسبوق.
يجلس الثمانيني وسط خيمة على أنقاض منزله المدمر شمالي قطاع غزة، يحيطه أحفاده الذين يعيشون اليوم ظروفًا تشبه ما عاشه طفلًا قبل أكثر من سبعة عقود.
يبدأ الحاج كامل حديثه بصوتٍ يملؤه الحزن، "كنت في التاسعة من عمري عندما خرجنا من قريتنا هربًا من القصف والخوف، كنا نظن أننا سنعود بعد أيام قليلة، لذلك لم نحمل معنا إلا بعض الملابس والقليل من الطعام".
يضيف في حديثه لوكالة "صفا"، "سرنا على الأقدام تحت القصف والقذائف لمسافات طويلة لم نكن ندري الى أين وجهتنا نهرب فقط من الموت الى النجاة، فتحولت الأراضي الزراعية لمأوى لملايين العائلات دون غطاء يسترهم من لهيب القصف والدمار".
يتابع، "الناس وقتها كانت خائفة، لكن بقي هناك شيء من الحياة. كنا نجد من يطعمنا أو يستقبلنا، أما اليوم فنحن نعيش الأحداث نفسها ولكن بوضع مأساوي أكثر تعقيدًا فما نعيشه بشكل متكرر بصحبة أبنائنا وأحفادنا".
ويردف في حديثه لـ"صفا"، "كنت أعتقد أن أولادنا لن يعيشوا ما عشناه، لكنني اليوم أراهم يركضون تحت القصف كما ركضنا نحن، ويبحثون عن الماء والخبز كما فعلنا تمامًا".
ويصف أبو سمرة الفرق بين النكبتين قائلاً: "إن نكبة 1948 كانت بداية الاقتلاع، أما ما يحدث اليوم في غزة فهو اقتلاع مستمر للحياة نفسها".
ويشدد، "في الماضي خسرنا الأرض، لكن بقيت القرى قائمة فترة من الزمن. اليوم تُمحى الأحياء فوق من فيها، والناس تموت جوعًا وخوفًا ونزوحًا متكررًا".
ويشير إلى أن العالم في زمن النكبة الأولى لم يكن يرى كل ما يجري، بينما تُنقل معاناة غزة اليوم مباشرة أمام الشاشات، مردفًا "كنا نقول ربما لا يعرف العالم بما يحدث لنا، لكن اليوم الجميع يرى الأطفال تحت الأنقاض ويرى الخيام والجوع، ومع ذلك لا شيء يتغير".
ويشير الحاج كامل إلى أن "السنوات قد تتغير وتتكرر النكبات، لكن الفلسطيني يبقى متمسكًا بأرضه مهما طال الزمن".
وبين ذاكرة اللجوء الأولى وواقع الحرب الحالية، تبدو شهادة الرجل المسن وكأنها تلخص حكاية شعب كامل شعب يعيش المأساة ذاتها بأشكال مختلفة، لكنه يرفض أن يسمح للنكبة بأن تكون نهاية الحكاية.
ويوافق يوم الجمعة، الذكرى الـ78 للنكبة التي رافقت إعلان قيام "إسرائيل" على معظم أراضي فلسطين في 15 مايو/أيار 1948، والتي أدت لتهجير نحو 957 ألف فلسطيني من مدنهم وبلداتهم الأصلية، من أصل مليون و400 ألف.
