غزة - مدلين خلة - صفا
في مشهدٍ يُلخّص حجم المأساة الإنسانية التي خلّفتها حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، تمكن المواطن محمود خلة، بعد مرور 29 شهرًا على استشهاد أفراد من عائلته، من انتشال جثامينهم من تحت ركام منزله المدمر، مستخدمًا أدوات بسيطة وإمكانات محدودة، في ظل غياب المعدات الثقيلة وفرق الإنقاذ المتخصصة.
وعلى مدار ساعات طويلة، واصل خلة الحفر يدويًا بين كتل الإسمنت والحديد المتشابك، في محاولة للوصول إلى بقايا أحبّته الذين ظلوا تحت الأنقاض منذ قصف المنزل في 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، بعدما تعذر انتشالهم آنذاك بسبب شدة الدمار وخطورة المكان ونقص الإمكانيات.
وجع الفقد
يقول خلة لوكالة "صفا" والألم يعتصر قلبه: "عندما قُصف منزلنا استشهد فيه نحو 39 شخصًا؛ أمي وأبي وزوجتي وأبنائي وإخواني وزوجاتهم وأبناؤهم، إضافة إلى أخوالي وعائلاتهم".
ويضيف "استطعنا يوم القصف دفن 12 شهيدًا فقط، فيما بقيّ الآخرون تحت الأنقاض، بسبب سوء الأوضاع في شمالي القطاع”.
"طوال 29 شهرًا كنا ننتظر إدخال معدات لإزالة الركام وانتشال الشهداء، لكن شيئًا لم يصل، لذلك قررت، بمساعدة الجيران، الحفر بأدوات بسيطة مثل الشاكوش والكريك وبعض المعدات الخفيفة، وتكسير أسقف المنزل الأربعة للوصول إلى من تبقى".
تفاصيل الفاجعة
ويصف خلة لحظات الحفر بأنها من أصعب ما مرّ عليه، قائلًا: "مع كل طرقة أشعر وكأن قلبي يُنتزع من مكانه. أشعر أنني أصبحت أقرب إلى أبنائي وإخوتي، لكن لا أستطيع استيعاب أنني سأحتضنهم للمرة الأخيرة وهم مجرد عظام بلا ملامح".
ويشير إلى أنه تم انتشال جثمان خاله، إضافة إلى بقايا عظام لأطفال تعذر التعرف عليهم، فسُجلوا في عداد مجهولي الهوية.
ويؤكد أن عمليات الحفر تُعيد إليه تفاصيل الفاجعة وكأنها وقعت للتو، مضيفًا أن الألم اليوم ربما يفوق ما شعّر به وقت القصف.
وتعكس مأساة عائلة خلة جانبًا من المعاناة المستمرة التي تعيشها مئات العائلات الفلسطينية في غزة، حيث ما تزال جثامين نحو 8 آلاف شهيد تحت الأنقاض، في ظل الدمار الواسع ونقص المعدات والوقود وفرق الإنقاذ.
ويشهد قطاع غزة أزمة إنسانية غير مسبوقة مع استمرار وجود جثامين الشهداء تحت أنقاض المنازل، في ظل عجز فرق الإنقاذ والدفاع المدني عن انتشالها، بسبب نقص المعدات الثقيلة.
ويحذر مختصون ومنظمات إنسانية من تداعيات صحية وبيئية خطيرة ناجمة عن بقاء الجثامين لفترات طويلة تحت الأنقاض، فضلًا عن الآثار النفسية القاسية على ذوي الضحايا الذين لم يتمكنوا من دفن أحبتهم بكرامة.






ر ش
