تحل الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية، غدًا الجمعة، في ظل تصاعد حدة النزوح القسري في قطاع غزة، الذي تحولت المساحات العامة والشريط الساحلي فيه إلى تجمعات عشوائية لآلاف الخيام، في مشهد يعيد أهوال نكبة عام 1948.
وتلتحف مئات الآلاف من عائلات الغزيين، في خيام ممزقة، منذ حرب الإبادة المستمرة، التي أودت بهم في فصول اللجوء الأول ذاتها، ولكن بظروف ميدانية وإنسانية أكثر تعقيداً.
ووسط دمار يفوق ما حل بنكبة عام 1948، أصبحت الخيمة الملاذ الوحيد المتاح أمام خطر القصف وفقدان السكن الدائم والخصوصية والأمان في القطاع.
وتشير التقديرات الميدانية في قطاع غزة لعام 2026، إلى وجود أكثر من مليون ونصف المليون نازح يعيشون في خيام ومراكز إيواء مؤقتة، جراء حرب الإبادة الجماعية التي دمرت نحو 70% من الوحدات السكنية والمباني في مختلف مناطق القطاع.
وتأتي هذه الكارثة لتعيد للأذهان ذكرى نكبة عام 48، التي شهدت تهجير قرابة 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم الأصلية، وتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية على يد العصابات الصهيونية، لتتحول الخيمة من رمز لجوء قديم محفوظ في الذاكرة والكتب، إلى واقع حي وقاس يفرضه العدوان المستمر.
مرارة أكبر
الحاج "أبو العبد عواد"، الذي يعيش اليوم في خيمة بمنطقة مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة، يقول لوكالة "صفا"، إن الخيمة نكبة، عاشها أباءنا، واليوم نعيشها بمرارة أكبر.
ويتحدث عواد عن تفاصيل النكبة الأولى، التي نقلها له والده، من حيث العيش في مساحات ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة والاعتماد الكلي على المساعدات الدولية، لضمان البقاء.
لكن الستيني، يقول "إن الفرق، يكمن في غياب أي منطقة آمنة بالكامل، مضيفًا " أباءنا نزوحوا ورأوا الموت مرة، ولكن نحن نزحنا مرات ورأينا الموت ولا زالنا".
السيدة مريم خضر "55عاما"، النازحة بالمواصي، من منطقة الترنس بجباليا، تصف واقعها اليومي داخل المخيمات المستحدثة، بـ "الموت البطيء".
وتقول "النكبة بالنسبة للجيل الحالي، أصبحت واقعاً ملموساً، من طوابير المياه الطويلة والأكل على الحطب والعيش في خيام ممزقة، لا تقي حرارة الصيف أو برد الشتاء".
وتشتكي من أن أطفالها يعيشون الحكاية التي سمعوها عن أجدادهم، بمرارة مضاعفة، دون ذنب.
تضيف "فقدوا مدارسهم وبيوتهم وأصبحوا جزء من أزمة إنسانية كبيرة، يتابعها العالم وهو ساكت".
شاهد على فشل الضمير
من جانبه، يرى الشاب إبراهيم قويدر النازح من شرقي خانيونس لغربيها، أن الخيام التي تغطي مساحات واسعة من القطاع اليوم، هي الشاهد على فشل الضمير الإنساني.
ويضيف "كل مدننا مسحت بالكامل، كالنكبة وزيادة، واليوم كل غزة خيام، وهذا لم يحدث عام الـ48".
ويتساءل فاقدًا أمله "إذا كان أباؤنا لم يعودوا لليوم، فكيف سنعود نحن بهذا الحال الأكثر إجرامًا وخرابًا".
وتسببت حرب الإبادة، في تحويل أحياء سكنية كاملة إلى ركام، وأجبرت المواطنين على المفاضلة بين الموت تحت الأنقاض أو اللجوء إلى خيام تفتقر للخصوصية وتجسد استمراراً لنكبة، بدأت قبل 78 عاما، ولا تزال فصولها مستمرة.
وتقول الحاجة فاطمة منصور "69 عاما"، النازحة بالمواصي، "إن رائحة النكبة، تخيم على غزة اليوم، وعلى حياة كل إنسان فيها".
وتضيف "عقولنا لا تنسى لا نكبة البارحة ولا اليوم، لكن التهجير اليوم لا يقارن بنكبة".
وتؤكد أن الخيمة رغم كونها عنواناً للمعاناة، تظل رمزاً للتمسك بالأرض والرفض القاطع لسياسات التهجير القسري، التي تستهدف الوجود الفلسطيني.
ويؤكد مراقبون أن غزة تحولت في عام 2026، إلى أكبر مخيم للجوء في العالم، حيث تزدحم الساحات بآلاف العائلات التي فقدت ممتلكاتها وأفراد من عائلاتها، في ظل سياسة ممنهجة لتدمير البنية التحتية والمربعات السكنية.
المراحل الأولى والقادمة
ويقول المختص بشؤون اللاجئين، علي هويدي، لوكالة "صفا"، إن مشهد الخيام في قطاع غزة يعيد للأذهان المراحل الأولى لعمليات الاقتلاع والتهجير القسري، التي تعرض لها الشعب الفلسطيني إبان نكبة عام 48.
ويوضح أن الخيمة التي كانت قديماً خارج حدود الوطن، باتت اليوم واقعاً مفروضاً داخل فلسطين ووسط حطام المنازل المدمرة في غزة، لتشكل رمزية مؤلمة تذكر بالمشروع الصهيوني القائم على طرد السكان واحتلال أرضهم.
ويشدد على أن الذاكرة الفلسطينية تتوحد أمام مشهد اللجوء، سواء في خيمة النكبة الأولى، أو خيام العدوان الحالي على القطاع.
ويشير إلى أن الشعب الفلسطيني الذي تجاوز خيام اللجوء في الخارج، سيتخلص عاجلاً أم آجلاً من واقع الخيام الحالي بفضل إرادته وصموده.
ولكنه يؤكد أن البقاء في الأرض، يمثل شوكة في حلق مشاريع التهجير.
ويبين أن صمود الفلسطينيين داخل خيامهم رغم قسوة الظروف يمثل فشلاً ذريعاً لمخططات الاحتلال، التي كانت تهدف إلى اقتلاعهم من قطاع غزة وتهجيرهم إلى الخارج.
ويعتبر هويدي، أن التشبث بالأرض والحفاظ على الانتماء الوطني هو الرد الأقوى على محاولات تصفية الوجود الفلسطيني، لافتاً إلى أن العودة للمنازل المدمرة وإعادة بنائها هي المعركة القادمة التي سيخوضها الشعب براية الصمود.
