أثار التحقيق الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" حول استخدام الاحتلال الإسرائيلي للعنف الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين موجة واسعة من الجدل، خاصة بعد أن سلط الضوء على شهادات صادمة تتعلق بالتعذيب والاغتصاب داخل السجون الإسرائيلية.
إلا أن ردود الفعل الإسرائيلية والإعلامية الموالية للمؤسسة الرسمية اتجهت سريعًا نحو مهاجمة التحقيق والتشكيك فيه، عبر إعادة إحياء الرواية الإسرائيلية المتعلقة بمزاعم اتهام حركة حماس بارتكاب “اغتصاب جماعي” خلال هجوم 7 أكتوبر.
وبحسب تقرير نشره موقع "ذا غرايزون"، فإن أبرز الوجوه التي قادت هذه الحملة هي المحامية الإسرائيلية كوخاف إلكيام-ليفي، التي قدمت نفسها منذ بداية الحرب بوصفها “خبيرة حقوقية” ترأس ما يسمى “اللجنة المدنية لجرائم حماس ضد النساء والأطفال”.
واعتمدت وسائل إعلام إسرائيلية على رواياتها المكذوبة لترويج اتهامات بوجود مزاعم عنف جنسي ممنهج مارسته عناصر حركة حماس.
غير أن التقرير يكشف أن هذه الروايات تعرضت لاحقًا لتشكيك واسع حتى داخل "إسرائيل" نفسها، إذ نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” تحقيقًا استقصائيًا اتهم إلكيام-ليفي بنشر معلومات مضللة وجمع أموال من متبرعين بطرق مشبوهة، إضافة إلى الترويج لقصص ثبت لاحقًا أنها مختلقة أو غير موثقة.
ومن بين أبرز الروايات التي جرى تفنيدها، قصة المرأة الحامل التي زُعم أن عناصر من حماس شقوا بطنها قبل اغتصابها، ووفقًا للتحقيق الإسرائيلي، فإن هذه القصة لا تستند إلى أي دليل، وجرى تداولها رغم تحذيرات من مسؤولين إسرائيليين أنفسهم بشأن عدم دقتها.
كما أشار مسؤول حكومي إسرائيلي إلى أن منهجية إلكيام-ليفي “غير دقيقة وغير مهنية”، وأن مسؤولين ومختصين بدأوا بالنأي بأنفسهم عنها بسبب فقدانها المصداقية.
ورغم ذلك، استمرت وسائل إعلام إسرائيلية وغربية في الاستناد إلى مزاعمها لمهاجمة أي تقارير تتناول الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بما في ذلك تقرير “نيويورك تايمز” الأخير الذي وثق شهادات لأسرى فلسطينيين تحدثوا عن تعرضهم للاغتصاب والتحرش والتعذيب الجنسي داخل السجون الإسرائيلية.
كما كشف تقرير “ذا غرايزون” أن إلكيام-ليفي حصلت على دعم سياسي وإعلامي واسع، إذ استضافها البيت الأبيض وقدمت رواياتها أمام مسؤولين أمريكيين، كما مُنحت “جائزة إسرائيل”، رغم أن تقريرها الموعود حول “العنف الجنسي الممنهج” لم يصدر بعد مرور أشهر طويلة على إطلاق حملتها الإعلامية وجمعها ملايين الدولارات من متبرعين، بينهم مسؤولون أمريكيون.
ويشير التقرير إلى أن إلكيام-ليفي حاولت أيضًا عرقلة جهود الأمم المتحدة للتحقيق بشكل مستقل في مزاعم العنف الجنسي، خاصة بعد أن أكدت الممثلة الأممية براميلا باتن أن تقريرها لا يملك تفويضًا جنائيًا كاملًا، وأنه لا يقدم أدلة قاطعة على وجود سياسة ممنهجة من حماس.
في المقابل، جاء تحقيق “نيويورك تايمز” حول الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين مستندًا إلى شهادات مباشرة وتقارير حقوقية صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية، تحدثت عن تعرض معتقلين فلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، لعنف جنسي وتعذيب داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن إعادة ترويج الروايات الإسرائيلية المثيرة للجدل بعد نشر التحقيق الأمريكي تهدف إلى تحويل الأنظار عن الاتهامات الموجهة لـ"إسرائيل"، وإعادة تشكيل الرواية الإعلامية عبر اتهام الفلسطينيين ورفض أي مساءلة تتعلق بالانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية.
