web site counter

بين شح السيولة وضعف الإنترنت.. الدفع الإلكتروني يتحوّل لعبء إضافي يُربك الغزيين

غزة- مدلين خلة - صفا
في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، لم تعد المدفوعات الإلكترونية في قطاع غزة رفاهية أو خيارًا إضافيًا، بل أصبحت وسيلة أساسية لتسيير الحياة اليومية.
غير أن هذا التحول، الذي فرضته ظروف شح السيولة النقدية، كشّف عن أزمة مركبة يتداخل فيها ضعف البنية التحتية مع القيود المالية، ليضع السكان أمام تحديات غير مسبوقة.
ومع تراجع توفر النقد في الأسواق، وامتناع كثير من التجار عن قبول العملات التالفة، وجد المواطنون أنفسهم مضطرين للاعتماد على المحافظ الرقمية والتطبيقات البنكية، لكن هذا التحول السريع لم يواكبه تطوير حقيقي في البنية التحتية، ما جعل النظام الرقمي يعمل فوق قدرة احتماله.
ورغم هذا الاعتماد المتزايد، يعاني قطاع الدفع الإلكتروني من ضعف واضح في البنية التحتية، أبرزها: انقطاع الكهرباء المتكرر، وضعف خدمات الإنترنت، وتذبذب شبكات الاتصالات.
هذه العوامل تؤدي إلى تعطّل عمليات التحويل والدفع، وتأخير المعاملات، بل وأحيانًا توقفها بالكامل، ما يربك الأسواق والمواصلات والخدمات الأساسية.
وأظهرت حوادث تعطل بعض المحافظ الرقمية كيف يمكن لخلل تقني لساعات قليلة أن يشلّ الحركة الاقتصادية بالكامل، ويمنع المواطنين من شراء احتياجاتهم الأساسية.
ولا تنفصل أزمة الدفع الإلكتروني عن أزمة السيولة، بل تتغذى منها، فمع استمرار نقص النقد تقل البدائل المتاحة أمام المواطنين وتزداد الضغوط على الأنظمة الرقمية، وترتفع أهمية التحويلات الإلكترونية رغم محدوديتها.
وتزيد القيود المفروضة على سقوف التحويل اليومية، وتأخر الحوالات من تعقيد المشهد، وتجعل أبسط المعاملات مرهونة بتوفر الإنترنت واستقرار النظام.
صعوبات كثيرة 
الطالبة منة الله شعبان، التي تدرس في الجامعة الاسلامية تقول لوكالة "صفا": إنها تعتمد على المحفظة الإلكترونية لدفع أجرة المواصلات بين جباليا وغزة، إلا أن هذه العملية تُواجه صعوبات كثيرة تحول في بعض الأحيان من إتمام عملية التحويل.
وتوضح أن، ضعف الاتصال بالإنترنت، أو تعطل المحفظة المفاجئ، يُؤخر الطلبة عن اللحاق بالمحاضرة الأولى في غالبية الأوقات.
وتضيف أن الأزمة تبلغ ذروتها حين يمتنع السائق عن قبول أي تحويلة خارج المكان، كأن تطلب من أخيك أو ابيك التحويل له، وهنا تضطر للانتظار أطول فترة ممكنة لانهاء عملية التحويل.
وتشير إلى أن عدم توفر السيولة والفكة هو ما عمق الأزمة بزيادة.
معاناة مضاعفة
وأما المواطنة آية الفحام فترى أن التحول في الدفع إلى المحافظ الإلكترونية يجب أن يتبعه توفر ثابت للإنترنت في عدة نقاط على طول الطريق بين آخر الجلاء ومحيط الجامعات.
وتضيف في حديثها لوكالة "صفا"، "نحن نعاني بشكل كبير من موضوع التحويلات والدفع الإلكتروني، خاصة حين يُصر السائق على التحويل من داخل المركبة".
ولا يمكن القول بأن الدفع الإلكتروني سيء في كل حالاته، لكنه يُواجه صعوبات يجب حلها لئلا نقع بالمشاكل والتأخير على المحاضرات.
ويقول السائق محمود نبهان لوكالة "صفا": إن تأخر عمليات الدفع يضعه في مواقف صعبة مع الركاب، ويتسّبب في تأخير نقلات التوصيل.
ويشير إلى أن بعض الركاب يمتلكون حزم إنترنت تسهل عملية الدفع لديهم، أما الغالبية فيحتاجون إلى نقاط ثابتة للتحويل.
ويتابع أن "التوجه إلى عمليات الدفع الإلكتروني وإن كان يحل مشكلة فهو يضعنا في عقبات كثيرة، فضعف الإنترنت قد يمنع وصول الحوالة بشكل مباشر ويُؤخر سير المركبة والركاب عن مواعيد عملهم ودراستهم".
ويردف "لا أستطيع دائمًا قبول الدفع لاحقًا، لأنني أعتمد على الدخل اليومي، وربما يتأخر السائقين وهذا يضعني في مشاكل لتوفير احتياجات عائلتي".
أزمة اقتصادية أعمق
الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يؤكد أن الدفع الإلكتروني في غزة لم يعد مجرد وسيلة حديثة لتسهيل الحياة، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لأزمة اقتصادية أعمق تتجاوز نقص السيولة النقدية إلى اختلال في بنية السوق نفسها.
ويقول أبو قمر في حديث لوكالة "صفا": إنه ومع استمرار شح النقد الورقي وتلف جزء كبير منه، وأزمة الفكة، وجد المواطنون والتجار والسائقون أنفسهم أمام خيار شبه وحيد، وهو الاعتماد على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية في إدارة تفاصيل حياتهم اليومية.
ويضيف أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التحول نحو الرقمنة بحد ذاته، بل في انتقال الناس إليه قسرًا دون وجود بنية تقنية ومالية قادرة على تحمل هذا التحول.
و"عندما يرتبط تحويل مبلغ بسيط، كدفع أجرة المواصلات بسرعة الإنترنت وسقف التحويل اليومي وسلامة النظام الإلكتروني، فإننا لا نكون أمام تطوير اقتصادي بقدر ما نكون أمام إدارة أزمة بأدوات غير مكتملة".
وحسب أبو قمر، فإن ما يحدث في غزة يكشف عن فجوة خطيرة بين الحاجة الفعلية للخدمة وقدرة النظام على الاستجابة.
ويبين أن الدفع الإلكتروني يمكن أن يكون أداة لتعزيز الشمول المالي وتنشيط السوق، لكنه في بيئة هشة قد يتحول إلى عبء إضافي يُربك الأفراد ويعطل الأعمال اليومية ويضعف الثقة العامة.
والحل، وفقًا لأبو قمر، لا يكمن فقط في تشجيع استخدام المحافظ الإلكترونية، بل في تطوير بنية رقمية أكثر مرونة، تتمتع برفع سقوف التحويل وتحسين كفاءة الأنظمة وتوفير بدائل تعمل حتى في ظل ضعف الإنترنت، لأن الاقتصاد لا يُقاس فقط بوجود الوسائل، بل بقدرة الناس على استخدامها بثقة واستقرار. 
ر ش

/ تعليق عبر الفيس بوك