تساءل مفكر وأكاديمي بجامعة بريطانية حول ما إذا تراجع الاهتمام العالمي بشأن الأوضاع في غزة في ظل وقف هش لإطلاق النار.
وقال الأكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيفيلد، يوسي ميكلبيرغ، إن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حظي بترحيب دولي واسع، إلا أنه ترافق منذ اللحظة الأولى مع شكوك ومخاوف من أن يظل مجرد إجراء لخفض التصعيد، دون أن يفضي إلى حل جذري للأزمة.
فقد بقي القطاع في وضع معقد؛ دمار واسع، وسيطرة جزئية ل"إسرائيل"، مع غياب أي تقدم فعلي نحو المراحل اللاحقة التي طُرحت ضمن خطط التسوية.
ورغم أن السيناريو الأسوأ، والمتمثل في اندلاع حرب شاملة جديدة، لم يتحقق، فإن الواقع الحالي لا يقل خطورة، إذ يستمر الصراع منخفض الحدة في حصد أرواح الفلسطينيين، بالتوازي مع قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية إلى منطقة مكتظة بالسكان، ودون وجود أفق سياسي واضح لحل دائم.
وأضاف: يتطلب أي حل مستقبلي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين جهة فلسطينية وطنية من إدارة القطاع وبدء عملية إعادة الإعمار.
وأشار الأكاديمي البريطاني إلى أن فجوة واضحة بين الاحتياجات الإنسانية العاجلة لسكان غزة وبين بطء وتردد المسار التفاوضي تبرز على السطح، في وقت يبدو فيه أن اهتمام المجتمع الدولي يتراجع تدريجياً.
وقال: صحيح أن الأوضاع تحسنت نسبياً مقارنة بفترة الحرب، إلا أن الواقع لا يزال كارثياً، بل إن وصفه بـ"وقف إطلاق النار" يبدو محل شك، في ظل استمرار سقوط الضحايا، حيث تشير تقارير إلى استشهاد المئات وإصابة الآلاف منذ بدء الهدنة.
كما تمثل السياسة الداخلية الإسرائيلية عاملاً معرقلاً إضافياً، إذ تواجه الحكومة انتقادات حادة على خلفية أحداث 7 أكتوبر 2023 وإدارتها للحرب، فضلاً عن انخراطها في مواجهات إقليمية متعددة. وقد أدى ذلك إلى تضييق هامش المناورة السياسية، مع تصاعد نفوذ التيارات المتشددة التي تدفع نحو تكريس السيطرة على أجزاء من غزة، باعتبارها ضمانة أمنية، رغم أن هذا التوجه يقوض فرص التوصل إلى حل سياسي مستدام.
ومع اقتراب "إسرائيل" من أجواء انتخابية، تتضاءل احتمالات تقديم تنازلات حقيقية، في ظل غياب ضغط دولي فعال، خاصة من الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة، بينما لا تزال أدوار الوسطاء غير واضحة، وآفاق الانتقال إلى مراحل متقدمة من الاتفاق.
وفي المقابل، يدفع سكان غزة ثمن هذا الجمود يومياً، إذ تتفاقم معاناتهم في ظل انهيار الخدمات الأساسية. ووفق تقارير أممية، لا يعمل أي مستشفى في القطاع بكامل طاقته، فيما يعمل نصفها فقط بشكل جزئي، مع محدودية شديدة في خدمات الرعاية الصحية الأولية. ورغم السماح بعدد محدود من عمليات الإجلاء الطبي، لا يزال آلاف المرضى ينتظرون تصاريح للخروج لتلقي العلاج، كثير منهم في حالات حرجة. كما لا تزال مشكلة سوء التغذية، خاصة بين الأطفال، مصدر قلق كبير رغم تحسن طفيف في توفر الغذاء.
وفي المحصلة، فإن استمرار هذا الوضع يمثل أزمة أخلاقية على المدى القريب، وتهديداً خطيراً على المدى البعيد، إذ قد يؤدي الفشل في التوصل إلى حل إلى تجدد العدوان واتساع رقعته، بما يشمل مناطق أخرى ويؤكد ذلك الحاجة إلى تدخل دولي جاد ومستدام، إذ إن الهدوء الهش القائم حالياً قد لا يكون سوى مرحلة مؤقتة تسبق تصعيداً جديداً.
