غزة- مدلين خلة - صفا
في أرضٍ أنهكها العطش وأثقلتها المأساة والمعاناة بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يعد الماء في شرق مدينة غزة مجرد موردٍ للحياة، بل تحوّل إلى خط تماسٍ يومي بين البقاء والموت.
هناك، حيث تمتد المناطق الزراعية المحاصرة، كان محمود وعيد أبو وردة يسيران كل صباحٍ نحو عملهما، يحملان الماء للنازحين عبر شاحنات تتبع لمنظمة "اليونيسف"، غير مدركين أن رحلتهما الأخيرة ستُروى بدمهما.
ينحدر الشقيقان من عائلةٍ بسيطةٍ شمالي القطاع، أخذوا على عاتقهما نقل الماء من مدخل المنصورة في حي الشجاعية شرقي غزة للنازحين في مراكز الإيواء، وذلك في ظل انهيار البنية التحتية وتعطل شبكات الإمداد.
ومع اشتداد القصف الإسرائيلي في القطاع، أصبح عملهما أكثر خطورة، لكنه في نظرهما واجبٌ لا يحتمل التأجيل، فالماء بالنسبة للناس هناك ليس رفاهية، بل مسألة حياة.
تفاصيل مؤلمة
في صباح يوم الجمعة، الموافق 17 أبريل/نيسان الجاري، خرجا كعادتهما يقودان صهريج المياه عبر طرقٍ ترابيةٍ محفوفة بالمخاطر، لم تكن المرة الأولى التي يغامران فيها بالوصول إلى مناطق مكشوفة، لكن التصعيد العسكري جعل كل حركةٍ محسوبة.
وبينما كانا يقتربان من وجهتهما، استهدفت رصاصة جيش الاحتلال محمود ورمته أرضًا، ثم ما لبث محمد إلا أن هرّع لإنقاذ شقيقه فأصابه طلق متفجر بذراعه، فما كان من الشقيق الثالث عيد إلا أن هرّع لإنقاذ شقيقيه فأصابته رصاصة أخرى وسقط شهيدًا، لتتحوّل شاحنة الماء إلى شاهدٍ صامتٍ على جريمةٍ جديدة.
يروي محمد أبو وردة لوكالة "صفا" تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم، قائلًا: "نظرتُ نحو الشرق فرأيت دبابة إسرائيلية. بدأتُ بالانسحاب وصرختُ على أخي عيد أن يعود، لكنه اندفع لإسعاف محمود، فأُصيب وسقط بجانبه".
ويضيف "حملني أحد المارة إلى المستشفى، ثم أُحضر شقيقاي شهيدين"، مشيرًا إلى أنهم تعرضوا للاستهداف عدة مرات رغم عملهم المعروف والمتكرر يوميًا.
ويتابع "نحن نعمل مع اليونيسف، ونتوجه إلى المحطة ثلاث مرات يوميًا لتعبئة المياه وتوزيعها على النازحين. قبل أسبوع فقط، تعرضنا لإطلاق نار أصاب الخزانات".
استهداف متعمد
محمد الذي يتعافى من إصابته وتثبيتٍ معدني في كتفه، يشدد على أن الاحتلال تعمّد استهدافهم في محاولة لمنع وصول الماء للنازحين، الأمر الذي يفاقم معاناتهم مع شح المياه.
ويردف "اتصل الناس بأهلي وقدموا إلى المشفى فوجدوا محمود في ثلاجة الموتى وعيد في غرفة العمليات يخضع لمحاولات إنقاذ، أما أنا فقد كان جهاز التنفس موصولًا بي في منظر لم تتوقعه أمي ولا أبي".
ويكمل حديثه "لقد كان محمود الأقرب لأهلي، لم يكن يغيب عنهم لأي سبب كان، رغم تأخرنا في عملنا لوقت المساء، إلا أنه كان يتردد عليهما دائمًا وقد كان استشهاده وأخي عيد صدمة لهم".
ويؤكد أبو وردة أن أهله استبعدوا تعرض شقيقيه لأي خطر كون عملهما إنساني وتحت إطار منظمة دولية، إلا أن الاحتلال لم يضع حسابًا لهذا كله.


ر ش
