web site counter

تقرير حقوقي بعنوان "غزة تحت حصار الأوبئة.. كارثة القوارض وتداعياتها الإنسانية"

غزة - صفا
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" تقريرًا حقوقيًا موسعًا بعنوان: "غزة تحت حصار الأوبئة.. كارثة القوارض وتداعياتها الإنسانية"، من إعداد المحامية والباحثة الحقوقية رنا ماجد هديب.
وحذّرت الهيئة من أن قطاع غزة يواجه كارثة بيئية وصحية متفاقمة لم تعد تقتصر على آثار الحرب المباشرة، بل امتدت إلى نشوء بيئة وبائية مركبة نتيجة تراكم الأنقاض والنفايات، وتدمير البنية التحتية، ومنع إدخال الأدوات والمواد اللازمة لمكافحة القوارض والآفات.
وأكدت أن هذه الأزمة لم تعد تُقرأ بوصفها ظاهرة عرضية أو نتيجة جانبية للحرب، بل باعتبارها أحد أخطر تجليات الانهيار البيئي والصحي الذي يهدد حياة السكان، وخاصة النازحين في الخيام ومراكز الإيواء. 
وأوضح التقرير أن انتشار القوارض في قطاع غزة يرتبط مباشرة بالتدمير الممنهج للبنية العمرانية والخدماتية.
وبين أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 70 مليون طن من الأنقاض في القطاع، ما يعكس حجمًا غير مسبوق من الدمار ويحوّل المشهد العمراني إلى بيئة مثالية ودائمة لتكاثر الجرذان والفئران والآفات المختلفة.
ولفت إلى أن هذا الكم الهائل من الركام لا يشكل مجرد مخلفات مادية، بل يخلق ما يشبه شبكة واسعة من الجحور والممرات والبيئات المعزولة التي توفر للقوارض الحماية من العوامل الطبيعية، وتعقّد من إمكانيات مكافحتها أو الوصول إلى أوكارها باستخدام الوسائل التقليدية.
وبيّن أن تعطل إزالة الركام وتدمير شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات واختلاطها بالمياه العادمة والمواد الغذائية التالفة، أنتج بيئة بيولوجية شديدة الخطورة تسمح بتكاثر القوارض بوتيرة متسارعة، وتدفعها إلى التحرك من باطن الأرض والمجاري المدمرة إلى محيط الخيام ومراكز النزوح.
وأكد أن الخطر لم يعد بيئيًا فقط، بل بات وبائيًا وصحيًا مباشرًا، في ظل تحذيرات وزارة الصحة من أن غزة أصبحت على حافة تفشي الأوبئة مع تصاعد خطر القوارض، خاصة مع الانهيار الحاد في الأوضاع الصحية والبيئية، وتزايد احتمالات انتقال الأمراض الخطيرة.
وأشار إلى أن الكارثة تضرب أكثر من مستوى في الوقت ذاته، فهناك خطر مباشر على مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام أو في العراء.
ورصد التقرير شهادات ميدانية تؤكد أن القوارض لم تعد تختبئ أو تنشط ليلًا فقط، بل باتت تتحرك في وضح النهار وبين الخيام ومخزونات الغذاء والملابس والأغطية.
واعتبر أن ذلك سلوك عدواني متزايد يعكس اختلالًا بيئيًا شديدًا وضغطًا غذائيًا دفعها إلى الاقتراب المتواصل من البشر.
وأشارت الإفادات إلى أن الأمهات يعشن في حالة رعب دائم خشية تعرّض أطفالهن للعض أثناء النوم، خاصة مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في حالات عضات الفئران والجرذان، في وقت يعاني فيه النظام الصحي من شبه انهيار كامل، ونقص حاد في الأدوية والمضادات الحيوية ومواد الوقاية.
وبيّن التقرير أن الآثار المترتبة على هذه الكارثة لا تقف عند حدود الصحة العامة، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والنفسي والاجتماعي.
وذكر أن آلاف الأسر تضطر إلى تخزين الطحين والبقوليات والمساعدات الغذائية داخل الخيام لغياب المخازن الآمنة، ما يجعلها عرضة للتلف أو التلوث بفضلات القوارض، وبالتالي فقدان جزء من الغذاء المحدود أصلًا.
وفي الجانب النفسي، أكد التقرير أن الخوف من القوارض أصبح مصدرًا يوميًا للقلق والرعب داخل المخيمات، خاصة بين الأطفال الذين يعانون اضطرابات نوم مستمرة وحالات خوف حاد نتيجة سماع أصوات القرض والحركة داخل الخيام أو ملامستها لأجسادهم أثناء الليل.
وأوضح أن الأمهات تعانين من ضغط نفسي هائل وشعور بالعجز عن حماية أطفالهن من خطر لا يمكن دفعه، في بيئة لا تتوفر فيها أبسط شروط الأمان أو النظافة أو الرعاية الصحية، ما يعمّق من آثار الصدمة الجماعية التي يعيشها السكان أصلًا بفعل الحرب والنزوح.
وشددت "حشد" على أن هذه الحالة لا يمكن توصيفها كأزمة بيئية طارئة فقط، بل هي نتيجة مباشرة لانتهاكات مركبة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الصحة والحياة الكريمة.
واعتبرت أن منع إدخال مواد مكافحة القوارض ومستلزمات النظافة وإعاقة إدارة النفايات وإبقاء المدنيين في بيئة موبوءة بالقوارض والآفات يشكل نمطًا من الإخضاع لظروف معيشية مهلكة، ويتطلب مساءلة دولية عاجلة.
وطالبت الهيئة المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والجهات الإنسانية المختصة بالتحرك الفوري لكسر ما وصفته بـ"الحصار البيئي" المفروض على قطاع غزة، والسماح بإدخال مبيدات الآفات والمواد الكيميائية المتخصصة والمصائد الميكانيكية والناموسيات وأدوات التخزين المحكمة للمساعدات الغذائية.
ودعت إلى توفير الوقود والمعدات الثقيلة للبلديات من أجل الوصول إلى بؤر التكاثر داخل الركام، والبدء بعمليات مدروسة لتسوية الأنقاض وردم الجحور وتطهير المناطق المحيطة بمراكز الإيواء.
كما دعت إلى اعتماد بروتوكولات صحية عاجلة داخل النقاط الطبية للتعامل مع عضات القوارض، وتوفير المضادات الحيوية واللقاحات والعلاجات المرتبطة بالأمراض المنقولة عبرها، وتزويد المرافق الصحية بمخزون استراتيجي من مستلزمات الاستجابة.
وأكدت أن ما يجري في غزة كارثة مركبة تتداخل فيها الحرب والحصار والانهيار البيئي والصحي، وتضع السكان أمام خطر وبائي مفتوح قد يتجاوز حدود القطاع إذا استمرت حالة العجز الدولي.
وشددت على أن مواجهة القوارض في غزة ليست معركة مع الطبيعة، بل مع سياسات الحصار والترك والتجويع والتدمير. 
ر ش

/ تعليق عبر الفيس بوك