في بقايا بيتٍ كان يتهيأ لاستقبال الفرح، ويعلو في أرجائه صدى الترتيبات الأخيرة لعقد القران، تحوّلت الزينة إلى شاهدٍ صامت على الفقد والوجع.
هناك، ارتقى الشاب عبد الجليل جنيد شهيدًا، قبل أيامٍ قليلةٍ من موعد "كتب كتابه"، لتغدو لحظات الانتظار المليئة بالأمل ذكرى مؤلمة، تختلط فيها دموع الفراق بحسرة الحلم الموؤود.
كان عبد الجليل، كغيره من شباب جيله، ينسج أحلاماً بسيطة لمستقبل يملؤه الاستقرار والأمان، ولم يكن يعلم أن الأيام القليلة التي تفصله عن ارتداء بدلة فرحه وعقد قرانه ستكون الأخيرة في حياته، وأن دعوات الأهل والأصدقاء بزفافٍ مبارك ستتحول فجأة إلى دعواتٍ بالرحمة والمغفرة.
وارتقى عبد الجليل جنيد شهيدًا إثر إصابته برصاص الاحتلال أثناء تنظيف منزل عائلته في بلدة جباليا شمالي قطاع غزة، ليتحول من عريسٍ ينتظر "ليلة العمر" إلى بطلٍ يكتب بدمه فصلًا جديدًا من مأساة شعبنا الفلسطيني.
"نعتذر عن عقد القران"
وقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بصورة الشهيد، وبكلمات والده المكلوم التي اختصرت مأساة غزة بأكملها حين قال: "نعتذر عن عقد القران.. فقد ارتقى العريس شهيدًا".

هذه العبارة التي لامست قلوب الآلاف، لاقت تفاعلًا واسعًا من النشطاء الذين عبروا عن صدمتهم من استمرار استهداف الاحتلال لكل مظاهر الحياة والأمل في القطاع المحاصر والمنهك من تبعات حرب طاحنة استمرت لأكثر من عامين.
ولم تكن مأساة عبد الجليل حالةً استثنائية في هذا اليوم الدامي، إذ شهدت محافظة خانيونس جنوبي القطاع، وقوع حادثةٍ مشابهة أدت إلى استشهاد شابٍ آخر بعد ساعاتٍ وجيزةٍ من إتمام عقد قرانه.
من تهيئة البيت للفرح إلى استقبال المعزين
يستذكر شقيق الشهيد تلك اللحظات القاسية بقلبٍ مثقل، قائلاً لـ وكالة "صفا": "يوم استشهاده كان قد قدم إلى المنزل برفقة أصدقائه لتنظيفه وتهيئته لاستقبال المهنئين، إلا أن قدر الله نافذ، فبدل تجهيز البيت للفرح استقبلنا المعزين".
ويضيف بمرارة: "أخي شاب في مقتبل عمره، كان ينتظر بفارغ الصبر استدامة الهدوء لينشئ بيتاً صغيراً يُعيد لنفسه بعض السكينة التي فقدها، ولكن ذلك لم يعجب الاحتلال فطمس تلك الفرحة".
ويتابع: "الاحتلال لا يعرف هدنة ولا سلام، يختار وقت قتلنا بدقة، لا يريد لذكرى فرح أن تمر بنا، لذلك يسعى بكل ما فيه لطمسها".
وأشار إلى أن شقيقه الأصغر كان محبوبًا بين جيرانه وعائلته، وأن جميع أصدقائه وجيران العائلة كانوا قد استعدوا وشاركوه استعدادات "كتب كتابه" التي لم تكتمل.
وفي الحي الذي تقطن فيه عائلة عبد الجليل جنيد، اصطف المئات لتقديم واجب العزاء بدلًا من طوابير التهاني التي كانت مرتقبة، حيث غادر العريس عبد الجليل وبقيت "بدلة الفرح" وحيدة بلا عرس، ليبقى الحلم معلقًا على جدران المنزل المحطم، ولتزف غزة -كعادتها- عريسًا جديدًا إلى السماء، تاركًا خلفه حكايةً ستظل محفورة في ذاكرة كل من عرفه.
