القدس المحتلة - خاص صفا
لم يشهد المسجد الأقصى المبارك منذ احتلاله عام 1967، إغلاقًا مثل اليوم، ما يعكس توجهًا سياسيًا وأيدلوجيًا لدى حكومة الاحتلال الإسرائيلي وجماعاتها المتطرفة لإحكام "السيادة" والسيطرة الكاملة على المسجد، وتغيير الواقع القائم فيه، وفرض وقائع تهويدية عليه.
ولليوم التاسع والثلاثين على التوالي، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى، ومنع الصلاة فيه، تحت ذريعة الأوضاع الأمنية المرتبطة بالحرب على إيران، وسط حصار خانق وإجراءات مشددة تفرضها على البلدة القديمة في القدس المحتلة.
في المقابل، سمحت محكمة الاحتلال العليا لمجموعات من المستوطنين بأداء طقوس تلمودية عند حائط البراق على دفعات، إضافة إلى السماح بتنظيم تظاهرات بأعداد كبيرة، ما يكشف عن سياسة تمييزية في إدارة الفضاء الديني والعام في المدينة المقدسة، والتي تتعرض لإجراءات احتلالية صارمة.
وكشفت وثائق قضائية صادرة عن "المحكمة العليا" عن تحركات قانونية مكثفة تقودها جماعات استيطانية، للضغط على شرطة الاحتلال من أجل استئناف اقتحامات الأقصى، المتوقفة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
توجه سياسي
رئبس مركز القدس الدولي حسن خاطر بقول إن استمرار إغلاق المسجد الأقصى لم يعد مرتبطًا باعتبارات أمنية أو بالحفاظ على سلامة المصلين، بقدر ما يعكس توجهًا سياسيًا واضحًا، خاصة في ظل قرارات محكمة الاحتلال العليا التي سمحت بتجمعات محدودة لليهود، مقابل استمرار منع المسلمين والمسيحيين من الوصول إلى أماكن عبادتهم.
ويوضح خاطر في حديث لوكالة "صفا"، أن السماح بمشاركة 600 مستوطن بمسيرات محدودة، وإتاحة الصلاة لليهود في حائط البراق، يقابله منع شبه كامل للمصلين المسلمين من دخول المسجد الأقصى، وكذلك تقييد وصول المسيحيين إلى كنيسة القيامة، وهو ما يطرح تساؤلات حول ازدواجية المعايير المتبعة.
و"هذا ما بدلل على أن الهدف ليس الحفاظ على سلامة المسلمين، بل المسألة سياسية، خاصة أن الاحتلال يستغل الحرب وما يترتب عليها من أجل تغيير الواقع في المسجد الأقصى وداخل المدينة المقدسة".
ويشير خاطر إلى أن هذه السياسات تتقاطع مع أهداف "منظمات الهيكل" المتطرفة، والتي تسعى منذ سنوات طويلة إلى تكريس واقع جديد داخل المسجد.
ويتخوف من أن بتحّول إغلاق الأقصى إلى أمر اعتيادي يتم التعايش معه، سواءً على المستوى الفلسطيني أو العربي والإسلامي، وهو ما قد يؤدي إلى ترسيخ عزله عن محيطه الديني والشعبي.
ويُحذر من أن استمرار الإغلاق قد يتيح المجال أمام جماعات استيطانية لتنفيذ أجنداتها داخل المسجد، على حساب المصلين المسلمين والمسيحيين.
تغيير الواقع
ومن وجهة نظره، فإن اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف ايتمار بن غفير أمس الاثنين، للمسجد الأقصى، رغم إغلاقه، يُعزز الرواية القائلة بأن الإجراءات الحالية ذات طابع سياسي، وليست أمنية، إذ يجري تسهيل دخول فئات معينة مقابل منع أخرى.
ويؤكد أن هذه سياسة مخططة مسبقًا بهدف تغيير واقع المسجد الأقصى وتمكين "منظمات الهيكل" من تنفيذ مخططاتها، في ظل غياب المسلمين عن المسجد.
و"هذه مسألة خطيرة جدًا، تهدف إلى تطبيع إغلاق الأقصى وعزله عن المسلمين في ذهنية الجميع، في مقابل فتحه أمام المستوطنين لتنفيذ أجنداتهم المتعلقة بتهويد المسجد بشكل كامل".
وحول المطلوب لكسر حصار الأقصى، يقول خاطر: إن "استمرار إغلاق الأقصى بكل تأكيد سيُنذر بانفجار الأوضاع في الشارع الفلسطيني، خاصة أن المسجد هو سبب كل ثورات واحتجاجات الفلسطينيين بدءًا من ثورة البراق عام 1929، مرورًا بانتفاضة النفق عام 1996، وصولًا إلى انتفاضة عام 2000".
ويؤكد أن الأقصى يشكل المركز الرئيس في كل انتفاضات الشعب الفلسطيني بمختلف أشكالها وأنواعها، لذلك فإن استمرار القيود الحالية قد يؤدي إلى تجدد أشكال مختلفة من الاحتجاج، في ظل ما يعتبره كثيرون غيابًا للعدالة واستمرارًا للضغوط على الفلسطينيين.
ويعتقد خاطر أن هذه الخطوة قادمة، في ظل استمرار التغول الإسرائيلي على حقوق الفلسطينيين وعدم التعامل بأي قدر من العدالة معها، مما سيُعجل بانفجار الأوضاع لا محالة.
مخططات خطيرة
وأما المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب فيقول إن حكومة الاحتلال و"جماعات الهيكل" يستغلون الظروف الجيوسياسية والإقليمية، وتسليط الأنظار بعيدًا عن القدس والأقصى، لتمرير مخططاتها في المسجد المبارك.
ويعتقد أبو دياب في حديث لوكالة "صفا"، أن هناك نوايا إسرائيلية مُبيّتة تجاه الأقصى، ويتضح ذلك من خلال استمرار إغلاقه، والذي يتم تبريره بدواعٍ أمنية واهية وغير منطقية.
لكن في الواقع، هذه الإجراءات تخدم أهدافًا سياسية وأيديولوجية، وليست أمنية. كما يقول أبو دياب
ويتساءل "منذ متى كانت إسرائيل تهتم بسلامة الفلسطينيين؟، وهي تقوم بطردهم، وتهدم المنازل، وتتركهم بلا مأوى.. فكيف يمكن أن تدّعي الحرص على سلامتهم داخل المسجد الأقصى، وهو في الأصل مكان آمن؟".
ويضيف أن "إسرائيل تريد فرض السيادة التي تنادي بها منذ سنوات على الأقصى، ما يعني أنها تريد التحكم الكامل فيه، من خلال إغلاقه وفتحه متى شاءت، والسماح لمن تريد ومنع من تريد".
و"في ظل هذا الواقع، حصلت الجماعات المتطرفة على فرصة أكبر لتكثيف أنشطتها بحق المسجد الأقصى، بما في ذلك التحضير لطقوس دينية خاصة خلال ما يسمى "عيد الفصح" الذي بدأ منذ الثاني من نيسان/أبريل الجاري".
ويؤكد الباحث المقدسي أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى قد يؤدي إلى تصعيد كبير، وربما نشهد تمرير مزيد من المخططات، وزيادة في الإجراءات والطقوس المفروضة داخله.
ويشير إلى أن المسجد الأقصى لم يشهد أي تحرك عربي وإسلامي حقيقي للضغط على الاحتلال لإعادة فتحه أمام المصلين، ما جعله "لقمة سهلة" لدى المحتل، لتمرير مخططاته التهويدية فيه.
ر ش
