القدس المحتلة - خاص صفا
لا يترك الاحتلال الإسرائيلي أي وسيلة أو ذريعة إلا ويستغلها من أجل تحقيق أهدافه الاستراتيجية في المسجد الأقصى المبارك، وما استمرار إغلاقه، بذريعة الوضع الأمني، إلا محاولة حثيثة لفرض وقائع تهويدية جديدة عليه، والانتقال نحو مرحلة "الإحلال الديني" الشامل.
ولليوم العاشر على التوالي، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين ومنع الصلاة فيه، بحجة الأوضاع الأمنية في ظل الحرب الدائرة مع إيران.
ويأتي ذلك فيما تستغل "منظمات الهيكل" المتطرفة إغلاق الأقصى لإطلاق حملة ترويجية لفرض "قربان الفصح" في المسجد المبارك، خلال ما يسمى عيد "الفصح" العبري، ما بين 1-8 من نيسان/ أبريل المقبل.
ومنذ بداية رمضان، يحاول الاحتلال فرض وقائع تهويدية جديدة على المسجد الأقصى، ويتعمد تفريغه من المصلين، من خلال قرارات الإبعاد، التي طالت مئات المقدسيين، وزيادة وقت اقتحامات المستوطنين المتطرفين، فضلًا عن مطالبات "جماعات الهيكل" المزعوم بمنع الاعتكاف داخل المسجد.
ويؤكد مراقيون أن منع المصلين من أداء صلوات التراويح والجمع في الأقصى، لا يأتي في سياق حمايتهم، بل لعزل المسجد وتفريغه، وتحويل المصلين من أصحاب حقٍ أصيل إلى مجرد مكون بشري طارئ تتحكم شرطة الاحتلال في توقيت وحجم حضوره.
مخطط للتغيير
الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب يقول: إن "سلطات الاحتلال تدعي أن إغلاق الأقصى جاء نتيجة الظروف الأمنية وحالة الطوارئ المرتبطة بالحرب، وللحفاظ على سلامة وأمن الجمهور، لكن في الحقيقة هناك مخطط لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، والانقضاض عليه وبسط السيادة والسيطرة الإسرائيلية عليه".
ويوضح أبو دياب في حديث لوكالة "صفا"، أن الاحتلال يستغل الظروف السياسية والإقليمية الحالية لتحقيق أهدافه في المسجد الأقصى.
ويشير إلى أن الاحتلال يدعي أن الأقصى غير آمن بسبب حالة الطوارئ، ولا توجد أماكن لحماية الموجودين في حال حدوث هجمات أو صواريخ، رغم أنه لا يوجد في الجزء الشرقي من القدس أصلًا ملاجئ عامة أو خاصة، وحتى المنازل غير مهيأة للصمود أمام الصواريخ.
في المقابل، داخل المسجد الأقصى توجد أماكن تحت الأرض مثل المصلى المرواني والمصلى القديم، إضافة إلى أقبية عديدة في ساحاته، تعتبر وفق كل المقاييس أماكن آمنة ويمكن أن تُستخدم كملاجئ، كما أن البناء القديم مصمم بطريقة توفر حماية لمن بداخله.
ويتساءل أبو دياب "لماذا تكون الأوضاع طبيعية في بقية المناطق، بينما يُفرض الإغلاق فقط على المسجد الأقصى؟"، لافتًا إلى أن إغلاق البلدة القديمة في القدس ومنع المقدسيين من الدخول إليها تسبّب بخسائر كبيرة للتجار.
وما يخطط له الاحتلال ضد الأقصى_ وفقًا للباحث المقدسي_ كان واضحًا قبل بدء الحرب على إيران، من حيث قرارات الإبعاد عن المسجد المبارك، والتي طالت مئات المقدسيين، وحرمان أهالي الضفة الغربية من الوصول للمسجد، فهذه الإجراءات ليست جديدة، وكل ما حدث هو استغلال للظروف الحالية لتطبيق إغلاق كامل.
ويبين أن الاحتلال تعمّد حرمان المصلين من الوصول للأقصى خلال شهر رمضان، والذي عادةً ما يشهد توافدًا كبيرًا للمصلين، لأن مشهد حضور عشرات الآلاف في صلاتي العشاء والتراويح وصلاة الجمعة لا يروق للاحتلال.
تداعيات خطيرة
واستمرار إغلاق الأقصى، له تداعيات اقتصادية واضحة بحيث يؤدي لتراجع الحركة التجارية والشرائية، خاصة أن مدبنة القدس، وتحديدًا البلدة القديمة، تعتمد بشكل كبير على الوافدين إلى المسجد، والذين يتوجهون بعد الصلاة إلى الأسواق للتسوق. وفق أبو دياب
ويؤكد أن إبعاد الناس عن المسجد الأقصى لفترة قد يؤدي إلى تعوّد بعضهم على الصلاة في أماكن أخرى، وهذا له تأثير سلبي على العلاقة الروحية والاجتماعية التي تربط المقدسيين بمسجدهم.
ويوضح أن هذه الإجراءات أدت إلى خنق المدينة المقدسة، وتحول بعض مناطقها إلى ما يشبه "مدينة أشباح"، وهو أمر لم تعتد عليه خلال الشهر الفضيل.
الباحث في مؤسسة القدس الدولية على ابراهيم قال إن الاحتلال يسعى لفرض المزيد من التحكم بالمسجد الأقصى، في سياق سعيه إلى فرض سيادته الكاملة عليه والمضي قدمًا في محاولات تثبيت الوجود اليهودي داخله.
وأوضح إبراهيم في مقالة له، أن إغلاق الأقصى يعد جزءًا من التصعيد الممنهج، التي تسعى سلطات الاحتلال من خلاله، إلى تفكيك الوضع التاريخي والقانوني القائم، وسط محاولة حثيثة للانتقال بالمسجد نحو مرحلة الإحلال الديني الشامل.
وأضاف "أمام حالة التصعيد الحالي، والانشغالات الإقليمية، تعمل أذرع الاحتلال على الاستفراد بالمدينة المحتلة، وتسعى إلى فرض المزيد من الوقائع على الأقصى، ما يطرح سؤالًا مباشرًا عن المدى الذي سيصله الصلف الإسرائيلي في عدوانه على الأقصى وعدم وجود أي رد فعلي على هذه القرارات المجحفة".
وتحاول سلطات الاحتلال وأذرعها المتطرفة الاستفادة من واقع إغلاق الأقصى لتحقيق جملة من الأهداف، أبرزها التعامل مع المسجد على أنه أحد الجبهات التي تقاتل عليها أذرع الاحتلال، وأن حسم هويته لم يعد قضية هامشية، حيث تتضافر الجهود الإسرائيلية للمضي قدمًا نحو الحسم، ما يعني أن إغلاق المسجد ليس حدثًا عابرًا، بل محطة لها ما بعدها.
وأكد أن الاحتلال سعى إلى إحداث تغييرات متسارعة في الأقصى، بما فيها فرض نفسه المتحكم الكامل فيه وبأبوابه، وتقدم حالة الإغلاق الأخيرة فرصة للمضي قدمًا في فرض التحكم الكامل.
وتابع أن الاحتلال يريد استغلال أي ظروفٍ ومستجدات للمضي قدمًا في استهداف الأقصى، والتضييق على الحضور الإسلامي فيه، وكذلك إفراغه من مكوناته البشرية.
ر ش
