كشف طبيب باكستاني-أميركي عمل متطوعاً في أحد مستشفيات القطاع عن تفاصيل صادمة حول الواقع الطبي في غزة.
وأكد الطبيب "ارتضى خان" أن النظام الصحي في القطاع يعمل في ظروف شبه منهارة، بينما يواصل الأطباء علاج المرضى وسط نقص حاد في المعدات والدواء واستمرار القصف.
وقبل مغادرته مستشفى ناصر في مدينة خان يونس بعد ثلاثة أسابيع من العمل، اقترب شاب يعمل في المستشفى من الطبيب الباكستاني الذي كان يشارك ضمن فريق طبي دولي.
وقال الشاب إنه انتظر طوال الليل على درج المستشفى حتى يلتقيه، ثم طلب منه شيئاً واحداً قبل أن يغادر، وقال له: "لدي أمانة أخبر العالم بما يحدث لنا هنا".
وقال خان إن هذه الكلمات بقيت عالقة في ذهنه، معتبراً أنها تعكس شعور كثير من سكان غزة بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الحرب.
وكان الطبيب، وهو اختصاصي أمراض الرئة والعناية المركزة في مدينة شيكاغو الأميركية، يتابع الحرب في غزة منذ اندلاعها مجدداً في أكتوبر 2023.
وذكر أنه كان يشاهد يومياً مقاطع مصورة للدمار والضحايا، ويشارك في التظاهرات ويقدم تبرعات، لكنه شعر مع الوقت أن ذلك لم يعد كافياً.
وفي أغسطس 2025 تواصل مع عدة منظمات إنسانية، لكن معظمها سأل عن خبرته في العمل داخل مناطق الحرب.
وفي النهاية استجابت مؤسسة إغاثة أطفال فلسطين (PCRF) لطلبه خلال 48 ساعة، لكنها حذرته من أن الواقع على الأرض سيكون أسوأ بكثير مما يشاهده في وسائل الإعلام.
وأوضح الطبيب أن دخول غزة كان معقداً للغاية، إذ تتحكم "إسرائيل" بجميع المعابر ولا تضمن منح التأشيرات حتى للأطباء، وقد يتم رفض الدخول في أي لحظة دون توضيح الأسباب.
وأضاف أن القيود المفروضة على المعدات كانت قاسية، إذ لم يُسمح للأطباء بإدخال أدوات طبية باستثناء سماعة الطبيب، كما مُنع إدخال الشموع رغم انقطاع الكهرباء شبه الكامل في القطاع.
وروى خان أن فريقاً طبياً من بريطانيا حاول إدخال حليب للأطفال الرضع، لكن السلطات الإسرائيلية أتلفته أمامهم.
ووصل خان إلى القطاع ضمن قافلة تقل نحو 80 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية وأطباء من دول مختلفة.
وعند عبور المعبر باتجاه مدينة رفح، قال إن الصمت خيّم على الحافلات عندما بدأ الركاب يشاهدون حجم الدمار.
ويصف المشهد قائلاً:
"كان الأمر يشبه أفلام ما بعد الكوارث النووية من حيث الدمار الكامل".
وذكر أنه شاهد أحذية أطفال بين الركام، ومنازل مدمرة، ولافتات متاجر محترقة، وطرقاً تحولت إلى مسارات ترابية.
ويذكر حادثة وقعت في يومه الثالث، عندما تعرضت المنطقة المحيطة بالمستشفى للقصف فجرا.
ومن بين الضحايا طفلة عمرها عام واحد وصلت إلى المستشفى بجروح خطيرة في وجهها،حيث أجرى لها خمسة جراحين عدة عمليات جراحية، لكن الأطباء اضطروا لاحقاً إلى نقلها من العناية المركزة بسبب نقص الأسرة.
وقال خان إنه سرعان ما توقف عن طرح بعض الأسئلة التي اعتاد الأطباء طرحها في الظروف الطبيعية.
فعندما كان يطلب إجراءات طبية عاجلة، كان يسمع من زملائه الأطباء في غزة عبارة واحدة:
"الدنيا حرب يا حبيبي".
ويشرح أن حالات طبية تتطلب علاجاً فورياً في أي مستشفى بالعالم قد تنتظر في غزة يومين أو ثلاثة أيام بسبب نقص الموارد والضغط الكبير على المستشفيات.
وأضاف "الأطباء هناك يضطرون لاتخاذ قرارات صعبة جداً.. من يحصل على العلاج الآن ومن يجب أن ينتظر".
وروى خان عدة قصص لمرضى اضطروا لرفض العلاج رغم خطورة حالتهم، فإحدى النساء رفضت إجراء عملية ضرورية لإنقاذ حياتها لأنها كانت تخشى ألا تستيقظ بعدها وتترك أطفالها بلا رعاية.
كما رفضت امرأة أخرى الدخول إلى المستشفى رغم إصابتها بعدوى خطيرة، لأنها المسؤولة الوحيدة عن ستة أطفال، بينهم أربعة أيتام.
وفي إحدى الحالات، احتاج شاب عمره 22 عاماً إلى فحص بسيط لتشخيص إصابته المحتملة بسرطان الغدد الليمفاوية، لكن الأطباء لم يتمكنوا من إجراء الفحص لأنهم لم يجدوا إبرة الخزعة اللازمة.
وقال خان إن المرضى الذين يحتاجون علاجاً خارج غزة يواجهون أيضاً صعوبة في الحصول على إذن السفر، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى وفاتهم قبل الموافقة على إجلائهم.
خان كان يتلقى استشارات طبية في أي وقت من اليوم، بينما يعمل على تدريب أطباء محليين على بعض الإجراءات الطبية المعقدة لتعويض نقص الاختصاصيين.
ورغم الدمار والخسائر البشرية، يقول خان إنه فوجئ بحجم التضامن والضيافة من السكان.
ويذكر أن أحد الفنيين في غرفة العمليات كان يدعوه يومياً لتناول العشاء في منزله، قبل أن يكتشف لاحقاً أن الرجل فقد 30 فرداً من عائلته في الحرب.
كما لاحظ أن المرضى كانوا يبدون سعادة كبيرة عندما يعرفون أنه قادم من باكستان.
وقال إنه كان قادراً على النوم والعمل بشكل طبيعي أثناء وجوده في غزة، لكنه عانى من اضطرابات نفسية بعد عودته إلى الولايات المتحدة.
ويضيف أن صور المرضى، خاصة الشباب الذين كانوا يسألونه إن كانوا سيموتون، ما زالت تطارده.
ومنذ عودته في نوفمبر 2025، بدأ خان بإلقاء محاضرات في الولايات المتحدة وباكستان لنقل ما شاهده في غزة.
كما يعمل حالياً على تنظيم لقاءات بين أطباء عملوا في القطاع وأعضاء في الكونغرس الأميركي لشرح الوضع الإنساني هناك.
