أطلقت جامعة أوكلاند في نيوزيلندا مشروعاً بحثياً جديداً يهدف إلى توثيق جهود 200 معلم يعملون في المبادرات والمخيمات التعليمية.
ويستمر المشروع البحثي لمدة 15 شهراً، ويركز على تسجيل تجارب نحو 200 معلم في غزة واصلوا التدريس منذ 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من عدوان إسرائيلي متواصل على القطاع.
ويقود المشروع ريتيش شاه، المتخصص في التعليم في مناطق النزاع بجامعة أوكلاند، بالتعاون مع الباحث الفلسطيني صالح البلوي من الجامعة نفسها، وزينة زكريا من جامعة ماريلاند في الولايات المتحدة.
ويسعى المشروع إلى تسليط الضوء على ما وصفه الباحثون بـ"أفعال الرفض والتضامن اليومية" التي يقوم بها سكان غزة للحفاظ على التعليم رغم الظروف القاسية.
ويقول شاه إن سكان غزة نظموا مبادرات تعليمية بشكل ذاتي، حيث قام المعلمون والمتطوعون بتجميع الأطفال في الخيام أو في مساحات مؤقتة للتعلم، بهدف توفير قدر من الأمان والروتين والأمل للأطفال الذين يعيشون وسط الحرب.
كما ساعدت هذه المبادرات الطلاب الأكبر سناً على الاستمرار في الدراسة والاستعداد للامتحانات النهائية في نهاية المرحلة الثانوية، حتى يتمكنوا من مواصلة تعليمهم الجامعي أو التقدم للحصول على منح دراسية خارج القطاع.
ويشير الباحثون إلى أن هذه المبادرات ليست جديدة على المجتمع الفلسطيني في غزة، إذ تعود جذورها إلى بداية خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأ الفلسطينيون الذين نزحوا إلى القطاع آنذاك بتنظيم التعليم في أماكن مؤقتة مثل الخيام، قبل إنشاء النظام التعليمي الرسمي.
من جهته، يؤكد الباحث البلوي أن التعليم يحتل مكانة مركزية في المجتمع الفلسطيني، ويُنظر إليه باعتباره وسيلة للحفاظ على الكرامة وتوفير الفرص وتعزيز الصمود الجماعي.
ويشير البلاوي إلى مفهوم "الصمود" في الثقافة الفلسطينية، وهو التمسك بالحياة والاستمرار رغم الظروف القاسية.
ويضيف أن استمرار التعليم في غزة يمثل بالنسبة لكثير من الفلسطينيين يمثل شكلاً من أشكال رفض الواقع الذي تفرضه الحرب والاحتلال.
ويقول إن المشروع يحمل بالنسبة له بعداً شخصياً أيضاً، كونه فلسطيني عاش سابقا في غزة، موضحاً أن توثيق تجارب المعلمين هو وسيلة للبقاء على صلة بمجتمعه ورد الجميل له.
ويشير الباحثون إلى أن أكثر من 700 معلم استشهدوا منذ بداية المرحلة الحالية من العدوان، في حين يواجه كثير من المعلمين الذين ما زالوا على قيد الحياة ظروفاً صعبة تشمل نقص الغذاء والمياه وانعدام الأمن المستمر.
ورغم ذلك، يواصل العديد منهم الذهاب إلى أماكن التدريس المؤقتة يومياً.
ويرى الدكتور شاه أن مجرد حضور المعلم للتدريس في مثل هذه الظروف يمكن اعتباره فعلاً من أفعال المقاومة والتحدي، مشيراً إلى أن التعليم في مناطق النزاع لا يمكن فصله عن الواقع السياسي والاجتماعي.
يذكر أن المشروع البحثي، الذي تبلغ قيمته 75 ألف دولار ويموله مؤسسة "سبنسر" الأمريكية، لا يركز فقط على كيفية استمرار التعليم في ظروف الحرب، بل يسعى أيضاً إلى دراسة دور التعليم كوسيلة للصمود والمقاومة المجتمعية.
ومن المقرر أن ينتج المشروع مخططاً زمنياً مرئياً يوضح تطور الأوضاع التعليمية في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بما في ذلك تصاعد الهجمات على المدارس والمعلمين والطلاب.
كما سيشمل التقرير شهادات موظفين يعملون داخل غزة مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والذين يجدون أنفسهم أحياناً بين ضغوط المؤسسات الدولية والواقع الميداني الصعب.
وسيتم جمع البيانات عن بُعد بالتعاون مع أونروا ومجموعة التعليم التي تضم منظمات تعليمية محلية ودولية تعمل داخل غزة.
وستبقى جميع المعلومات التي يتم جمعها مجهولة الهوية حفاظاً على سلامة المشاركين.
ومن المتوقع أن يتم تقديم نتائج الدراسة إلى عدد من الهيئات الدولية المعنية بالتعليم في حالات الطوارئ، منها:
الشبكة المشتركة بين الوكالات للتعليم في حالات الطوارئ
منظمة التعليم الدولية
الحملة العالمية لحماية التعليم من الهجمات
ويرى فريق البحث أن نتائج الدراسة لن تقتصر أهميتها على غزة فقط، بل قد تقدم دروساً مهمة لمناطق أخرى تعاني من النزاعات حول العالم.
ويختتم شاه بالقول إن المشروع يهدف إلى تذكير العالم بأن التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو نشاط مرتبط دائماً بالواقع الاجتماعي والسياسي، وأن المعلمين في أوقات الأزمات يتخذون قرارات أخلاقية وسياسية عميقة، سواء في غزة أو في أي مكان آخر.
