غزة- مدلين خلة - صفا
على سافية بحر غزة، حين تهدأ الأصوات وتبقى الذكريات وحدها يقِظة، تجلس "أمٌّ مصطفى" الرزاينة أمام البحر، تُعدّ أسماءً أحبّتها، لا تُحصي سنوات العمر بقدر ما تُحصي وجوهًا مرّت في حياتها كالموج، وسط حضورٌ دافئ أعقبه فراغ.
في قلب تلك الذاكرة يقف اسم علي، الابن البكر، الذي وُلد بعيدًا عن الوطن، وعاد إليه حاملًا حكاية عائلةٍ عاشت بين جنوبي لبنان وفلسطين.
في ذاكرة عائلته، لا يبدأ اسم الشهيد القائد علي الرزاينة من ميدانٍ أو موقعٍ تنظيمي، بل من بيتٍ دافئٍ امتلأ بحضوره المرح وقلبه الحنون.
كان "أبو البراء" كما تناديه أسرته، أخًا قريبًا من تفاصيلهم الصغيرة، يمازحهم ويلاطفهم، ولا يطيق أن يرى دمعةً في عيون أخواته، فيسارع ليمسحها قبل أن تسقط.
ناريمان علوش الأم اللبنانية الأصل، والتي ربطت مصيرها بمصير شاب غزي حمل على كتفه بندقية وفي قلبه وطنًا مسلوبًا، تركت بلدتها الحدودية جنوبي لبنان وقرنت حياتها بالغزي فتحي الرزاينة وارتبطت به لتترك عائلتها وتزاحم محاربة الاحتلال في جنوبي فلسطين، تُربي أبنائها على ما عاشت عليه وتودعهم واحدًا تلو الآخر ما بين أسير وشهيد.
الابن البار
علي فتحي الرزاينة ولد في 20 أبريل/نيسان 1981، بكرًا لأسرةٍ عاشت بين المخيمات ومحطات الترحال.
نشأ علي في بيتٍ تعلّم فيه معنى الانتماء مبكرًا، فوالديه ارتبطا بالعمل الوطني في لبنان، وكانت والدته "أم مصطفى" جزءًا من ذلك المسار، ليحمل "أبو البراء" مع عودته لغزة في العام 1995، ذاكرة المنافي، ويكبر بين أزقة شوارع مخيم جباليا، شاهدًا على تحوّلاتٍ قاسية طبعت حياة جيله.
تستعيد "أم مصطفى" شريط السنين وهي تقارن بين مخيمات تل الزعتر والباص وبرج البراجنة في لبنان، وبين مخيمات غزة التي عاشت فيها اجتياحاتٍ وحروبًا متعاقبة.
تقول لوكالة "صفا": "ولا مرة اندمت لحظة… فلسطين ولبنان جرح واحد ودم واحد، وفي غزة أهلي وناسي".
وتضيف "علي توأم مصطفى لم يكن بارًا فيّ وحدي فقط، بل كان عطوفًا محبًا لأخواته حنونًا عليهن تهد قوته دمعة تسقط من عيني إحداهن".
وتتابع "ظروف عمله حكّمت عليه أن يغيب عنا وعن بيته فترة طويلة، لكن هذا الغياب لم يجعله يهملنا، فكان حريص الإطمئنان علينا بين كل فترة وأخرى سواءً بحضوره شخصيًا أو ببعض المراسلات".
تفاصيل من حياته
كبُر علي في ظلّ تجربةٍ عائلية مثقلة بالفقد والصبر، واختار مسارًا عامًا حمّله مسؤولياتٍ كبيرة، فغاب طويلًا عن بيته وأطفاله وأهله، وكانت لقاءاته بأسرته سريعةً تفرضها ظروف المرحلة.
ومع ذلك، بقيّ حضوره الإنساني حاضرًا في تفاصيلهم الصغيرة؛ أخٌ مرحٌ حنون، لا يطيق دمعةً في عيون أخواته، كمل تروي شقيقته آمال لوكالة "صفا"
وتقول "حين أُُصبتُ في حرب عام 2014، أصرّ على زيارتي رغم الخطر، وبقيّ إلى جواري في المستشفى أيامًا يواسيني ويربّت على رأسي حتى ودّعني للسفر للعلاج".
وتضيف "أذكر في في عام 2018 كنت حزينة وكان الجو عاصف جدًا واتصل بي وشعر أنني ليست على ما يرام وقال لي جهزي نفسك لأخذك أينما تحبين، قلت له أريد الذهاب للبحر وأخذني هناك ويومها لم ينزل الكرسي المتحرك الخاص بي بل حملني بين يديه وإحتضنني وكان يُطعمني بيده".
وتتابع "لقد كان يقتطع من وقته ليخفّف عن الجميع ألمهم، فلم يكن عمله العسكري حاجزًا بينه وبين إنسانيته مع عائلته".
وتردف "العمل العسكري كان له أثر كبير في شخصية أبو البراء، حيث كان يغيب لفترات طويلة عن المنزل وزوجته وأطفاله وعنا، وكنا دومًا نتوق للجلوس معه كباقي العائلات التي تجلس مع أبنائها لوقت طويل".
وبحكم موقعه التنظيمي كان يضطر أن يلتزم بضوابط معينة تلزم حركته الإجتماعية، خصوصًا في فترة التوترات الأمنية. كما توضح شقيقته
وتكمل حديثها "خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، كانت تنقطع أخباره عن العائلة لفترات طويلة، وكانت رؤيته لأهلي زيارات سريعة وخاطفة وعلى فترات متباعدة".
مسيرة حافلة
وعن إنضمامه للعمل العسكري، تقول آمال: "شقيقي علي حاله كحال أبناء هذا الشعب الشرفاء، فقد رأى ظلم وطغيان العدو الصهيوني وإجرامه، وآمن بأن الحل الوحيد للخلاص من هذا المحتل الغاصب ودحره عن وطننا هو مقاومته".
وتضيف "أبو البراء تربى في بيت فدائي، فوالدي التحق بصفوف الثورة الفلسطينية في لبنان وهو في ريعان شبابه، وحتى بعد عودته للوطن بقيّ يُجاهد بقلمه الحر، وربانا على هذا النهج المشرف، وكان دومًا يُثقفنا حول الوطن والمحتل".
وتتابع "رغم أن أبو البراء فقّد نجله براء وابنته لانا وأصيب عدة مرات في حرب الإبادة، وحروب سابقة، إلا أنه بقيّ مستمرًا وثابتًا على نهجه ومبادئه التي تقتضي التضحية بكل شيء من أجل قضيته العادلة".
وتردف: "استشهد أبو البراء شامخًا بطلًا ورفع رأسنا عاليًا، بعد مسيرة حافلة كُتبت بالدم والعطاء، ليضيف لعائلتي وسام جديد من أوسمة الفخر والشرف".
وفي الرابع من شباط/فبراير الجاري، استشهد على الرزاينة مع ابنته الصغرى، في استهداف طائرات الاحتلال خيمته في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، مختتمًا مسيرة طويلة من النضال والتضحية في سبيل الدفاع عن الوطن.
ر ش
