غزة- مدلين خلة - صفا
للعام الثالث على التوالي، يستقبل أهالي قطاع غزة شهر رمضان المبارك، وسط ظروف اقتصادية وإنسانية كارثية، وملامح مختلفة غيّبتها حرب الابادة الإسرائيلية، وبدّلت تفاصيل الحياة فيها، وحوّلتها إلى موسم للحزن والفقد.
لم يعد استقبال الشهر الفضيل كما كان قبل الحرب، فلا طقوس، ولا زينة ولا فوانيس تملأ الشوارع، ولا أسواق تعج بالمواطنين، ولا عائلات تجتمع حول موائد عامرة كما اعتادت، في ظل استمرار النزوح وغياب المأوى، وفقدان الأحبة.
رمضان، الذي كان موسمًا للطمأنينة والروح الجماعية، تبدّلت تفاصيله إلى حدٍّ كبير، وأصبح الصوم عند الكثيرين مقرونًا بالبحث عن الأمان والغذاء والماء.
وانعكس شح الإمدادات والمساعدات الإغاثية، وارتفاع أسعار السلع على مكوّنات الإفطار والسحور، في ظل اعتماد عائلات كثيرة على ما يتوفر من مساعدات أو مواد محدودة، ما جعل الوجبات أبسط من أي وقت مضى.
وحتى الأطفال، الذين كانوا ينتظرون الفوانيس والحلويات، يختبرون رمضان بإيقاع مختلف يغلب عليه الترقّب.
غياب الطقوس
عماد أبو عمشة نازح غرب مدينة غزة، يقول لوكالة "صفا": إن "طقوس رمضان تختلف عما قبل، فهي لم تكن تبدأ باعلان رؤية الهلال بل قبل ذلك بعشرة أيام، حيث تبدأ تجهيزات البيوت والزينة وتحضير الأطعمة الخاصة بوجبة السحور".
ويضيف أبو عمشة "كنا نتجهز لاستقبال شهر رمضان بشراء كافة المستلزمات من الطعام والشراب وتنظيف وترتيب البيت، والاستعداد لصلاة التراويح وقراءة القرآن، كذلك إعداد جدول لزيارة الأرحام والأقارب".
ويتابع "قبل الحرب كان يبدأ يومه بصلاة الفجر وقراءة القرآن ثم مع الصباح يتجول في الأسواق لشراء مستلزمات الإفطار والعصائر وحاجيات الحلوى والقطايف".
اليوم، لم يعد هذا المشهد متاحًا، بسبب الحرب، يقول أبو عمشة، "المنزل تدمّر، والأحباب استشهدوا، فيما تفرّق من تبقى منهم بين مخيمات النازحين المختلفة".
ويشير إلى أن الزيارات التي كانت تملأ رمضان لم تعد ممكنة، حيث تفرّق الجميع ما بين مدينة غزة والجنوب، ليصبح الاجتماع على مائدة واحدة مستحيلًا.
فقد ووجع
ولا يبدو الأمر مختلفًا عند ألاء البرش التي بدأت حديثها متساءلة "كيف سنعيش رمضان دون جمعات العائلة وبعد فقد أهلنا وأحبابنا؟، كيف سنفرح وقلوبنا يدميها الحزن والخسرة على فراق من نحب؟".
وتقول البرش لوكالة "صفا": "لا يمكنني وصف جمال طقوس رمضان قبل الحرب، كان قدومه يمنحنا شعورًا بالسعادة والأمان، وهو ما أفتقده اليوم".
وتضيف "كان لي بيتًا وأهل وأحباب، كنت أنتظر اللحظات التي يزورني فيها إخوتي وأمي وأبي.. هذه الذكريات أصبحت حسرة نتمنى عودتها".
وتتابع "اليوم تغيّر كل شيء، هذا رمضان الثالث الذي سيأتي علينا ونحن نعيش داخل الخيمة، دون عادات أو طقوس، حتى مظاهر الاستعداد لم تعد كما كانت".
وتؤكد قائلة: "كل شيء اختلف، كنا نطبخ على الغاز، ونفطر على ضوء الكهرباء، ونسمع صوت الأذان، أما الآن فنطبخ على النار، وإفطارنا سيكون على ضوء الهاتف، حتى لحظة الأذان باتت تمر بصمت ونفطر على الساعة أو صوت أذان من بعيد".
وتردف "لا زينة ولا فوانيس، ولا أجواء تفرح الصغار، كنا في رمضان قبل الحرب نشتري الفوانيس ونعلق الزينة في أرجاء المنزل، ونعد الحلويات المفضلة، لكن اليوم انقلبت الأمور رأسًا على عقب، ولم يعد الشهر الفضيل موسمًا لفرح الأطفال وحضور صلاة التراويح".
ورغم قسوة الظروف، يحافظ كثيرون على رمزية الشهر كمساحة للصبر والتكافل بما تيسّر، من خلال مشاركة ما يتوفر من طعام ومبادرات تطوعية بسيطة، ودعوات بالفرج.
هكذا أصبح رمضان في غزة تجربة روحانية مختلفة، يختلط فيها الصوم بالصمود والتحمّل، والرجاء بالانتظار، وتغير الأوضاع للأفضل.
ر ش
