لم يكن بريدًا عادياً ذلك الذي وصل زوجة "عبدالله"، ولم تكن رسالة طمأنينة، ولا خبراً عن عودة الغائب الذي طال انتظاره، لكنها كانت شهادة وفاة، تحمل اسماً كان يملأ الدنيا حياة، وتاريخاً يوثق رحيل من لا تزال رائحة ثيابه عالقة في أرجاء المكان.
"كيفَ لي أن أتقبّل فكرة هذه الورقة لمن انتظرته كثيرًا وكان في قلبي لعودته أمل"، تقول زوجة المفقود عبد الله أبو الشريف، الذي صُدرت له شهادة وفاة قبل أيام.
وخلف ورقة شهادة الوفاة، قرارٌ صادر عن مجلس القضاء الشرعي في قطاع غزة، يقضي باستخراج شهادة وفاة لمن فُقد أثره وتعدى غيابه ستة أشهر في ظروف غلب عليها الهلاك، حسب القانون، وذلك في ظل وجود عدد كبير من المفقودين منذ حرب الإبادة التي مرّ عليها عامين ونصف، ولم يُعرف مصيرهم.
القضية قد تكون انتهت قانونياً، ولكن إنسانياً، بدأت فصول جديدة من الوجع.
كل المصائب تهون أمامها
وتقف الزوجة المكلومة اليوم أمام هذه الورقة، تخاطب رفيق دربها بكلمات، تقول فيها "استوعبتُ كل مصائبي إلا شهادة وفاة عبد الله بعد عامين من فقدانه".
تصف حالها في حديث لوكالة "صفا"، بأنها "عالقة في لحظة وداع لم تحدث أبداً، وفي انتظار لا نهائي".
وكانت زوجة أبو الشريف تدعو "بأن يكون حيًا فتحظى برؤيته حتى لو كان أسيرًا، وتدعو برحمة له إن كان شهيدًا، لكن ذلك كان بحرقة وعلى أمل لقاء به".
ورغم الألم إلا أن الزوجة تصر أنه لا مكان للانكسار رغم شدة النزف، مضيفة "غصة الانتظار والفقد لا توصف".
وتتجلى عظمة الصبر في حديثها عن "الصبر الجميل، الذي لو رآه زوجها لفرح من فخره بها".
وأصدر مجلس القضاء الشرعي مؤخرًا قرارات استثنائية لمعالجة ملف المفقودين، تهدف إلى تمكين العائلات من إتمام المعاملات القانونية المتعلقة بالإرث وحقوق الأبناء، وإنهاء حالة "التعليق" القانوني التي تعيشها آلاف الزوجات والأمهات، وتوثيق الضحايا الذين انقطعت سبل الوصول إليهم في ظل حرب الإبادة.
وتنص القرارت "يعتبر المفقود في حكم المتوفى بعد مرور فترة زمنية محددة، غالباً ما قُدرت بـ 6 أشهر في حالات الفقد في ظروف غلب عليها الهلاك كالحروب والكوارث"• كما جاء في القرارات أنه "لا تصدر الشهادة إلا بقرار من مجلس القضاء الشرعي بعد التحقق من انقطاع الأخبار واستحالة الوصول للمفقود".
ويبلغ عدد المفقودين في قطاع غزة ما يزيد عن 8 آلاف مفقود، في وقت تم انتشال جثامين ما يقارب الألف شهيد ودفن معظمهم كمجهولين في مقابر مرقمة، بعد تعذر التعرف عليهم، نظرًا لتحلل الأجساد وعدم وجود دلائل للأهالي في الجثامين.
