تعود حكومة "التكنوقراط" إلى الواجهة الفلسطينية من جديد بوصفها مخرجًا مؤقتًا في لحظات الانسداد السياسي والانهيار الإنساني؛ لتكون عنوان المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وحكومة "التكنوقراط" كيان إداري غير حزبي، يتشكل من شخصيات مهنية ذات كفاءة، بعيدًا عن المحاصصة الفصائلية، وتهدف لإدارة الأزمات الكبرى حين تعجز الحكومات السياسية التقليدية عن الاستجابة الفاعلة لتحديات الواقع، وتأتي في الحالة الفلسطينية كخيار إنقاذي مؤقت وسط أزمات سياسية وإنسانية غير مسبوقة في القطاع تسببت بها حرب الإبادة الإسرائيلية.
وأعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، مساء أمس، عن إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء الصراع في غزة، والتي تنتقل من وقف إطلاق النار إلى تشكيل إدارة تكنوقراطية وإعادة الإعمار وبدء "نزع السلاح"، وفق قوله.
وتقوم المرحلة على تأسيس إدارة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية في القطاع، تحت اسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، بالتوازي مع إطلاق مشاريع إعادة إعمار شاملة.
الواقع المعقد
ويرى المحلل السياسي عادل شديد، في حديثه لوكالة "صفا"، أن حكومة التكنوقراط يراد منها إبعاد الفصائل الفلسطينية عن إدارة القطاع، مؤكدًا أن هذا الطرح ليس جديدًا، إذ طُرح في مراحل سابقة على خلفية الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، كحل مؤقت للأزمات المتكررة.
ويرى أن حكومة التكنوقراط تُخرج حركة حماس من مشهد الحكم في غزة، ويتم التعامل مع ما يُسمى "مجلس السلام"، الذي سيتكون من شخصيات عربية ودولية.
ويعتقد شديد أن "هذا السيناريو المقترح لن يكون سهل التنفيذ، لأن الواقع معقد وفيه الكثير من التحديات".
ويشير شديد إلى عدم وجود قوة فلسطينية قادرة على إحداث تغيير جذري في الواقع بقطاع غزة، في ظل مجموعة من التحديات السياسية والإدارية، لافتًا إلى أن "هذه الحكومة لن يكون بمقدروها العمل دون تعاون من حركة حماس لأنها تمسك بزمام الأمور في قطاع غزة، خاصة في ما يتعلق بفاصل حكم الأمن الداخلي".
وكان المتحدث باسم حماس حازم قاسم أكد أن لدى حركته "قرار واضح بحل الجهات الحكومية التي تدير الأوضاع في قطاع غزة وتسليمها للجنة التكنوقراط وتسهيل كل تفاصيل استلامها لعملها ونجاحها".
ويجزم شديد بأنه "من الواضح أن حركة حماس لها مصلحة قوية في التهدئة، فكلما زادت معاناة الناس في غزة، كلما زاد الدمار، ومصلحة الحركة قوية في تحسين الحالة الحياتية في غزة، ولا يمكن تجاهل هذا العامل في أي تسوية".
لكن شديد لا يعتقد أن "الإسرائيلي والأمريكي جاءا لفتح صفحة جديدة خلال أيام أو أسابيع من تشكيل مجلس السلام وما يسمى قوة الاستقرار".
ويستطرد "الأمريكي والإسرائيلي لن يسهل فتح المعابر وإدخال المساعدات وإحداث تغيير حقيقي في البنية التحتية، والسبب بسيط، وهو أن هناك انسجامًا أمريكياً إسرائيلياً حول ضرورة تدفيع الفلسطنيين ثمنًا باهظًا، جزء منه الهجرة، التي لم تسقط بحساباتهم بعد".
نجاحها مرهون بلجم "إسرائيل"
من جانبه، يرى المختص بالشأن السياسي والإسرائيلي ياسر منّاع، أن "حكومة التكنوقراط هذه المرّة مختلفة فعليًا عن سابقاتها".
ويعزي ذلك إلى أنّ "فكرة الحكومة أو اللجنة التكنوقراطية، والتي يقصد بها في هذا السياق أنها لا تضم شخصيات من حماس أو السلطة الفلسطينية تأتي بعد حرب مدمّرة، وفي لحظة انسداد كامل في الخيارات أمام الفلسطينيين".
ويرى أن النقاش لم يعد يدور حول شكل الحكم أو توازنات السياسة، بل حول من يدير الحياة نفسها بعد هذا الخراب.
ولذلك فإنه ومن هذه الزاوية، تُعدّ خطوة تشكيل حكومة تكنوقراط، مهمّة نظريًا في تثبيت وقف إطلاق النار، ولكن ما سيحسم مصير هذه التجربة، وفق منّاع، هو الإطار العملي لا النوايا.
ويوضح أنّ "هذه اللجنة تحتاج إلى أموال وميزانيات ضخمة وحقيقية للقطاع، إضافة إلى فتح المعابر وإدخال مواد الإعمار والموارد وجهاز شرطي قادر على حفظ النظام".
ويشدد على أن "كل ذلك لا يمكن أن يتم من دون تعاون دولي مباشر وضغط حقيقي على إسرائيل".
ويعتبر مناع أن "السؤال الصريح الذي لا يمكن الهروب منه، هو هل ستسمح إسرائيل فعلًا لهذه المنظومة بأن تعمل، أم ستتعامل معها كمرحلة مؤقتة تُقيَّد ثم تُترك لتفشل؟".
ويجيب "إذا لم يكن هناك إلزام دولي واضح، ستبقى الحكومة مجرد إدارة هشّة، أمّا إذا فُرضت آليات عمل حقيقية فقد تكون هذه الخطوة بداية تثبيت فعلي لوقف النار".
