غزة - خاص صفا
وسط تفاقم الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية والحصار المفروض على القطاع منذ 19 عامًا، تُبرز "التنسيقات التجارية" كواحدة من القضايا الحساسة التي تنعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي وتثقل كاهل الغزيين، بعد أن تحوّلت "أداة احتكار ونفوذ اقتصادي".
ورغم أن هذه التنسيقات ظهّرت كوسيلة للنجاة من شح البضائع، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى شبكة من الاستغلال والاحتكار تتحكم أربع شركات إسرائيلية فيها بمسار السلع وكمياتها وأسعارها، في محاولة لاستخدام السوق كسلاح جماعي لمعاقبة السكان وإبقاء الاقتصاد الفلسطيني تحت السيطرة الآسرائيلية.
وتعتمد هذه التنسيقات على دخول البضائع عبر وسطاء يملكون "القدرة على التنسيق" مع الاحتلال، مقابل مبالغ مالية ضخمة تضاف إلى تكلفة الشحن والتخزين والنقل، لتصبح كل سلعة تُعرض في السوق مثقلة بأعباء غير ظاهرة، يدفعها في النهاية المستهلك البسيط.
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من السلع التي يتم إدخالها هي مواد إنسانية أو أساسية، تُستغل الحاجة إليها لفرض أسعار غير واقعية، وسط غياب رقابة حقيقية أو شفافية في آلية توزيع التنسيقات.
هذه التنسيقات لا تستثني أي من البضاعة التي تدخل إلى القطاع، فتشمل (السلع الأساسية، الملابس، الأحذية، الشوكلاتة والزيوت)، وغيرها من المواد التموينية.
غلاء فاحش
المواطنة وسام ورش أغا تتحدث لوكالة "صفا" عن ارتفاع أسعار البضائع، قائلة: "حين نزحت من بيتنا خرجنا بأرواحنا، تركنا ملابسنا الشتوية والصيفية، والأحذية، على أمل العودة لها، إلى أن جاءنا الخبر بتسوية الطيران الحربي للبيت بالأرض في مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع".
وتضيف "أحاول اليوم إعادة جزء من الملابس التي فقدتها وأسرتي من خلال شراء بعضها من السوق، إلا أن الأسعار الآن مضاعفة وتفوق قدرة التحمل على شراء ملابس لعدد كبير من الأفراد".
وتتابع "حين قمت بشراء بعض الملابس تفاجأت بارتفاع ثمنها، فأخبرت صاحب المحل بأنني اشتريته قبل عدة أشهر، بسعر أقل، ليرد قائلّا، أدفع تكاليف مرتفعة لتجار يشترون البضاعة من تجار يجلبونها إلى غزة ويؤمّنون عبورها من الجانب الإسرائيلي".
ويواجه الغزيون اليوم ارتفاعًا جنونيًا في أسعار البضائع والملابس، وسط محدودية الدخل والظروف المعيشية والإنسانية الصعبة التي يعيشونها.
تقول ورش أغا: "مصدر دخلنا قليل وشبه معدوم، لا يتلائم مع الاحتياجات، فأنا اليوم مجبرة على الشراء، لكن النسبة الأكبر منا كمواطنين لا تمتلك القدرة على الشراء".
إنهاك الناس
ولا يقف الحال على الملابس، بل يطال السلع الأساسية وقوت الغزيين الذين أنهكتهم المجاعة طيلة فترة حرب الإبادة.
يقول إبراهيم مصباح، صاحب سوبر ماركت: "ندفع ثمن الحصار من قوت أولادنا، هذا الغلاء نجبر على دفعه لسد حاجة أطفالنا مجبرين لا بإرادتنا".
ويضيف مصباح لوكالة "صفا"، "السلعة التي كان ثمنها "2 أو 3 وحتى 10 شواقل، أصبح الآن ثمنها أضعافًا مضاعفة، وكل هذا الغلاء على كاهل المواطن، لأن الجميع يتحجج بالتنسيقات التجارية ودفع مبالغ إضافية لإدخالها إلى القطاع".
ويتابع "كنت أشتري البضاعة والسلع التي يطلبها الزبائن، إلا أن ارتفاع ثمنها المفاجئ دفعني لعدم شرائها حتى لا أكون ضمن دائرة استغلال حاجة الناس".
ويردف "نحن نتكلم عن غلاء يطال السلع الأساسية، والتي يحتاجها المواطن بشكل شبه يومي لسد حاجة أطفاله، سلع لا يمكن إيجاد بديل لها، الأمر الذي يثقل كاهل الغزي الذي يؤمن قوت أطفاله بشق الأنفس".
احتكار واستغلال
المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر يقول: إن "قطاع غزة دفّع خلال الحرب، تنسيقات تفوق المليار دولار، وذلك عبر وسيط يمتلك علاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، يبرر الارتفاعات والضرائب التي يتم دفعها عبر التنسيقات".
ويضيف أبو قمر في حديث لوكالة "صفا"، أن "التنسيقات غير ثابتة، فالشاحنات التي كان يُدفع عليها 300 ألف شيكل، اليوم يتم دفع 900 ألف شيكل، والمتضرر الأول منها هو المواطن الذي يدفع ثمنها".
ويوضح أن هذه المبالغ الهائلة لا يتحملها التاجر، بل تُرحّل مباشرة إلى المستهلك النهائي، مما يودي لارتفاع حاد في الأسعار، يدفعه المواطن الذي يعيش أصلًا تحت خط الكفاية، وفي ظروف إنسانية بالغة القسوة".
ولم تعد المسألة_وفقًا لأبو قمر _ تنظيمًا لعملية تجارية أو ضبطًا للمعابر، بل تحوّلت إلى احتكار صريح تتحكم فيه 4 شركات إسرائيلية فقط بمسار السلع وكمياتها وأسعارها، ما يعني عمليًا مصادرة القرار الاقتصادي الفلسطيني، وتحويل السوق الغزي إلى ملحق تابع للاقتصاد الإسرائيلي.
ويؤكد أن التنسيقات تأتي ضمن هندسة المجاعة الإسرائيلية التي ينتهجها الاحتلال، بمعنى أن السلع موجودة في الأسواق، لكن لا يستطيع المواطن اقتناءها.
ويبين أن نسبة البطالة تقدر بـ80%، والتنسيقات باهظة، فيما ويتجاوز سعر السلع أربعة وخمسة أضعاف مقارنة بسعرها الطبيعي ما قبل الحرب، ما يجعلها في غير متناول المواطنين.
ويتابع "الإبقاء على سياسة التنسيقات يؤكد أن الحرب الاقتصادية مستمرة في قطاع غزة، وزادت من تعرية الأسر اقتصاديًا".
ويشدد على أن القطاعات الاقتصادية انهارت بشكل شبه كامل خلال عام 2025، إذ تراجعّت الإنشاءات بنسبة 99%، والصناعة 94%، والزراعة 92%، والخدمات 82%.
هذه الأرقام تعني عمليًا توقف الإنتاج، وانقطاع الدخل، وتحول المجتمع بأكمله إلى اقتصاد بقاء لا اقتصاد تنمية. وفق المختص في الشأن الاقتصادي
ويؤكد أن تجاوز هذه الأزمة يكون من خلال عودة طبيعية لإدخال البضائع، ورفض التنسيقات، وملاحقة التجار المتعاونين معها، لما لها من عواقب وخيمة على مدخرات المواطنين مستقبلًا.
ر ش
