القدس المحتلة - خاص صفا
لم يتخيل المقدسي كايد الرجبي يومًا أنه سيُطرد من منزله الذي وُلد وترعرع فيه، واحتضن كل ذكرياته وضحكاته 57 عامًا، ليسكنه المستوطنون قريبًا.
الرجبي تسلّم قرارًا من محكمة الاحتلال العليا في القدس المحتلة لإخلاء منزله في حي بطن الهوى ببلدة سلوان جنوبي المسجد الأقصى المبارك في السادس من كانون الثاني/يناير الجاري، لصالح المستوطنين.
ويقع منزل الرجبي، المطل سطحه على المسجد الأقصى، ضمن مخطط استيطاني لجمعية "عطيرت كوهنيم"، يهدف للسيطرة على مساحة تقارب 5 دونمات و200 متر مربع في الحارة الوسطى من حي بطن الهوى، بزعم ملكيتها ليهود من أصول يمنية منذ عام 1881.
حسرة وألم
وبحسرة تملأ قلبه، يقول الرجبي لوكالة "صفا": "نعيش على أعصابنا بانتظار تنفيذ قرار الإخلاء من منزلنا بأي لحظة، لا نعرف أين سنذهب فلا خيارات أمامنا بعد طردنا من منزلنا".
ويضيف "هذا بيتي الذي وُلدت وترعرعت فيه منذ 57 عامًا.. يحتضن كل ذكرياتي وفرحي وحزني، كيف ليه أن أتركه للمستوطنين، لم أتخيل يومًا أن يُرفع علم الاحتلال فوق بيتي".
ويتابع "منذ أكثر من 10 سنوات ونحن نقاتل في محاكم الاحتلال من أجل وقف قرارات تهجيرنا وطردنا من منزلنا في الحي، لقد استنفدنا كل الإجراءات ولم يبق أمامنا أي خيار آخر".
ودائمًا ما يتعرض الرجبي وعائلته لاعتداءات واستفزازات من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، في محاولة لدفعه لترك منزله في حي بطن الهوى.
وينتظر الرجبي وأشقاؤه وشقيقته ونجله البالغ عددهم نحو 36 فردًا، مصيرًا مجهولًا، بعد رفض محكمة الاحتلال العليا الالتماسات المقدمة على قرارات الإخلاء.
ويقول: "لا يوجد أمامنا أي بديل للسكن فيه، نبحث عن شقة للإيجار، لكن الإجارات غالية تصل لـ5 آلاف شيكل، ولا أمتلك المال لذلك، بعد أن تم إيقافي عن العمل".
مصير مجهول
ولا يعلم المقدسي زهير الرجبي المصير الذي ينتظره وأشقاؤه الستة، بعد تلقيهم إخطارًا بإخلاء منازلهم في حي بطن الهوى، لصالح المستوطنين.
ويعيش الرجبي وأشقاؤه في بناية سكنية مكونة من أربعة طوابق تضم سبع شقق، يقطنها 50 مقدسيًا يواجهون بأي لحظة خطر الإخلاء والتهجير القسري من منازلهم.
والاثنين، رفضت محكمة الاحتلال العليا استئنافات على قرارات إخلاء صُدرت عن المحكمة المركزية في أيلول/ سبتمبر الماضي بحق عائلات الرجبي، مؤكدة بذلك القرارات السابقة.
وتشمل البنايات المستهدفة كلًا من عائلات يعقوب الرجبي وتضم 11 شقة سكنية، عبد الفتاح الرجبي 4 شقق، وزهير الرجبي وأشقائه 7 شقق، ويعيش بداخلها أكثر من 140 مقدسيًًا.
يقول الرجبي لوكالة "صفا": إن محكمة الاحتلال العليا أصدرت الخميس الماضي، أمر إخلاء سبعة منازل لي ولأشقائي الستة في بطن الهوى، لصالح جمعية "عطيرت كوهنيم" الاستيطانية.
ويضيف "حاولنا سابقًا تجميد قرار الإخلاء، إلا أن المحكمة المركزية في القدس أمهلتنا حتى 31 كانون الأول/ديسمبر الماضي لتقديم استئناف في المحكمة العليا، وبعد تقديمنا هذا الاستئناف تم رفضه وصدور أمر الإخلاء".
ويتابع "7 عائلات تضم 50 شخصًا معظهم أطفال، باتوا اليوم يواجهون كابوس الإخلاء الوشيك من منازلهم بأي وقت، لصالح إحلال المستوطنين مكانهم".
صمود لا يلين
"أكثر من 11 عامًا ونحن نناضل في محاكم الاحتلال من أجل وقف قرارات الإخلاء، لكن كلها قوبلت بالرفض.. هذه المحاكم لم تنصفنا يومًا، كونها منحازة للمستوطنين".
وبعد السابع من أكتوبر 2023، بدأت قرارات الإخلاء في حي بطن الهوى تتوالى بشكل جدي، حيث جرى إخلاء وتهجير 13 عائلة قسرًا، وهناك 22 عائلة أخرى تلقت أوامر بالإخلاء. وفق الرجبي
ويردف "استنفدنا كل الإجراءات القانونية في المحاكم الإسرائيلية، ولم يبقى أمامنا أي خيار آخر إلا الصمود وانتظار مصيرنا".
ويرفض الرجبي وأشقاؤه إخلاء منازلهم طوعًا، قائلًا: "هذه بيوتنا وأرضنا، نحن هنا منذ عشرات السنين، أين سنذهب، لا خيارات أمامنا، فالوضع المعيشي في القدس صعب للغاية، ولا يوجد شقق سكنية".
ومن المتوقع أن تمنح ما تسمى "دائرة الإجراء والتنفيذ" الإسرائيلية عائلة الرجبي مهلة 21 يومًا لتنفيذ قرار إخلائها من منازلها في بطن الهوى.
ويعيش في بطن الهوى 87 عائلة تضم 750 مقدسيًا، يواجهون التهجير القسري، وبلاغات قضائية في محاكم الاحتلال، رغم أنهم يعيشون في الحي منذ عشرات السنين، بعد شرائهم الأراضي والعقارات بوثائق رسمية في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
ويؤكد الرجبي أن الاحتلال يسعى لتهجير كل أهالي الحي من منازلهم، لصالح توطين المستوطنين، وتهجير المقدسيين، بهدف إقامة ما يسمى بـ" الحوض المقدس"، الذي يبدأ من بلدة سلوان ووادي حلوة ووادي الجوز وصولًا إلى حي الشيخ جراح.
وحسب جمعية "عير عميم" اليسارية الإسرائيلية المختصة بشؤون القدس: "يواجه أكثر من 130 فلسطينيًا من 26 عائلة في حي بطن الهوى بسلوان، خطر الإخلاء الوشيك من منازلهم؛ عقب رفض المحكمة العليا الإسرائيلية طلباتهم الأخيرة للاستئناف، ما يعني فعليًا استنفاد جميع سبل الإنصاف القضائي المتاحة لهم".
ومن المتوقع أن تتلقى العائلات أوامر إخلاء نهائية في أي لحظة، في حين قد تُنفّذ عمليات الإخلاء القسري خلال أسابيع.
وذكرت أن هذه القرارات تأتي في سياق تصعيد حاد ومتسارع في موجة الإخلاءات في الحي.
وخلال الشهرين الماضيين، فقط، جرى إخلاء ست عائلات فلسطينية بالقوة من منازلها، التي سُلّمت لاحقًا لمستوطنين من "عطيرت كوهنيم'
وأضافت الجمعية أن "قضايا الإخلاء تستند إلى قانون إسرائيلي تمييزي سُنّ عام 1970، يمنح اليهود حقًا حصريًا في استعادة ممتلكات يُدّعى أنها كانت مملوكة لهم قبل عام 1948، في حين يُحرم الفلسطينيون من حق مماثل".
ر ش
