القدس المحتلة - خاص صفا
ساعات ويُطوى عام 2025 صفحاته الأخيرة بكل ما حملّه من أحداث وتطورات ساخنة، واعتداءات إسرائيلية غير مسبوقة على مدينة القدس المحتلة، وسط محاولات حثيثة لفرض "سيادة الاحتلال" الكاملة عليها، وحسم قضيتها لصالح المستوطنين.
وُصف هذا العام بالأسوأ والأشد قسوة على المدينة المقدسة وأهلها، بسبب تصاعد اعتداءات الاحتلال وإجراءاته الممنهجة التي تمثلت بالهدم وتهجير المقدسيين قسرًا، والاستيلاء على الأراضي والمنازل، فضلًا عن التوسع الاستيطاني، والذي بلغ مستويات قياسية في المدينة.
وفي هذا العام، استغلت سلطات الاحتلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، والظروف الإقليمية لأجل فرض مخططها الاستيطاني على المدينة المحتلة، واستكمال مخطط تهويدها وتغيير هويتها العربية والإسلامية.
سياسة مركبة
يقول الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب : إن سلطات الاحتلال اتبعت في عام 2025، سياسة مركبة استهدفت خلالها "البشر والحجر", وبدأت بتنفيذ مشروعها لإعادة تشكيل مدينة القدس، بما يخدم مشروعها الاستيطاني التهويدي، الذي لا يكتفي بطمس تاريخها وحاضرها، بل يطمح لابتلاع وتهويد مستقبلها أيضًا.
ويوضح أبو دياب في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن القدس تعيش اليوم، معركة مفتوحة تستهدف وجودها العربي والإسلامي والمسيحي، بهدف إعادة تشكيل ملامحها التاريخية بدقة وبخطوات متسارعة.
ويضيف "الاحتلال يُدرك أن المنطقة تمرّ باضطرابات سياسية وأولويات دولية متغيرة، لذا يرى في ذلك فرصة ذهبية لتسريع مشاريعه في القدس من خلال زيادة الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة، الاستيلاء على المنازل وإحلال مستوطنين داخلها، وإصدار قرارات هدم جماعية، وتشديد الحصار على الأحياء العربية، وفرض قوانين تُسهّل السيطرة على الأرض، ومحاولة خلق أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلًا".
وشهد العام 2025، تصاعد في عمليات هدم المنازل بالقدس، بريعة البناء دون ترخيص، علمًا أن بلدية الاحتلال ترفض طلبات المقدسيين بالحصول على تراخيص بناء كسياسة متعمدة.
أرقام واحصائيات
وحسب أبو دياب، فإن الاحتلال هدم منذ بداية العام الجاري، 227 منزلًا في مدينة القدس، أدت إلى تشريد نحو 670 مقدسيًا، بينهم أكثر من 302 طفلًا.
وخلال العام 2025، سلمت بلدية الاحتلال 20 منزلًا إضافيًا أوامر هدم بحي البستان في بلدة البستان, حيث تعتزم هدم كل مباني الحي البالغ عددها 116 منزلًا، وبذلك سيتم تشريد 1550 مقدسيًا من منازلهم، لإقامة "حديقة توراتية" حسب مخطط البلدية.
ويشير أبو دياب إلى أن الاحتلال هدم منذ بداية العام، 13 منزلًا في حي البستان، ويهدد بهدم بقية المنازل.
ويلفت إلى أن بلدية الاحتلال سلمت أيضًا، أوامر لهدم (54) منزلًا في حي الطور، لاستكمال "الشارع الأمريكي" الاستيطاني، الذي يبدأ من مستوطنة "جبل أبوغنيم" جنوب القدس، وصولًا لتجمع مستوطنات "معاليه أدوميم" شرقي القدس، من أجل خدمة المستوطنين وتسهيل تنقلهم بين المستوطنات، ولمحاصرة التجمعات العربية.
وخلال العام الجاري، سلّمت بلدية الاحتلال أوامر هدم لـ241 منزلًا ومنشأة تجارية في جبل المكبر جنوب شرقي القدس، لتوسعة "الطريق الأمريكي".
وعلى صعيد مصادرة الأراضي والاستيطان، يقول الباحث المقدسي، إن سلطات الاحتلال صادرت خلال هذا العام 29800 دونم من أراضي القدس، لإقامة مشاريع استيطانية وتهويدية وشق الطرق، والجسور والأنفاق، بهدف تسهيل وصول المستوطنين، وربط المستوطنات ببعضها البعض، ومحاصرة المقدسيين, وحرمانهم من أراضيهم.
وخلال العام 2025، جرى المصادقة على بناء 12817 وحدة استيطانية في القدس، منها ما تم البدء بتفيذه في (مطار قلنديا، تلة الطيارة، بيت صفافا، التلة الفرنسية، صورباهر، جبل المكبر، أم طوبا، الولجة، العيسوية، شعفاط، بيت حنينا، جبل المشارف، الشيخ جراح، كرم المفتي وسلوان).
ويؤكد أبو دياب أن سلطات الاحتلال تستخدم أدوات مختلفة, للاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أراضي القدس، وتحويلها إلى مستوطنات، أو" حدائق توراتية"، أو منتزهات عامة مخصصة للمستوطنين.
وتعتبر بلدية الاحتلال أن نسبة 87% من أراضي شرقي القدس لا يجوز البناء عليها، بغية دفع سكانها للهجرة والبناء والعيش خارج المدينة، لتقليل عدد الفلسطينيين، مقايل زيادة عدد المستوطنين في المدينة.
ومن أخطر المشاريع الاستيطانية التي بدأ الاحتلال بتنفيذها مشروع (E1) شرقي المدينة، ضمن مخطط يسمى "القدس الكبرى"، حيث سيتم بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، وضم تجمع مستوطنات" معاليه أدوميم" إلى القدس، لتغيير تركيبتها السكانية.
ويشير إلى أنه وفق هذا المخطط، سيتم طرد أكثر من 7000 فلسطيني من التجمعات البدوية شرق القدس، وفصل شمال الضفة الغربية بشكل كامل عن جنوبها.
وبالنسبة للاقتحامات والاعتقالات، يوضح أبو دياب أن قوات الاحتلال اعتقلت ما يزيد عن 705 مقدسيين من المدينة المقدسة، ونفذت 874 اقتحامًا ومداهمة لمنازل المقدسيين وتخريب أثاث ومحتويات المنازل.
وخلال العام الجاري، أقدم المستوطنون على حرق وتدمير 214 شجرة زيتون في مدينة القدس، و104 حالات سرقة ثمار الزيتون.
وحسب أبو دياب، فإن العام الجاري شهد 224 مداهمة لسلطات الضرائب الإسرائيلية لمحال تجارية وورش صناعية وتحرير مخالفات وقرصنة أموال المقدسيين.
ويفيد بأن الاحتلال أجبر أهل القدس على دفع 65 مليون شيكل كمخالفات وغرامات لما يسمى مخالفة قانون "البناء والتنظيم" حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ويبين أن شرطة الاحتلال أقامت 897 حاجزًا عند مداخل الأحياء والبلدات، للتنكيل بالمقدسيين.
ولم يتوقف الاحتلال طيلة العام، عن استهداف الثقافة والهوية العربية والاسلامية للمدينة, وصياغة وكتابة تاريخ جديد وروايات مضللة لمسح الذاكرة، ومحو الهوية العربية والاسلامية.
واقع التعليم والاقتصاد
وحول واقع التعليم في القدس ومحاولات تهويد المناهج، يؤكد أبو دياب أن قوات الاحتلال صعدت في عام 2025، هجمتها ضد التعليم بشكل غير مسبوق، ضمن مشروع شامل يهدف إلى تهويد المناهج، وإغلاق المؤسسات التعليمية، وحرمان الطلاب من بيئة تعليمية آمنة وحرة.
ويوضح أن مدارس القدس تواجه تحديات كبرى، تتمثل في نقص أكتر من 5000 مقعد دراسي، نتيجة سياسات الاحتلال لتجهيل المقدسيين، وإغلاق 12 مدرسة، بحجة أنها لم تلتزم بالمنهاج الإسرائيلي، بالإضافة إلى إغلاق كل مدارس وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة "أونروا" بقانون سنة الكنيست، يُمنع بموجبه عملها بالقدس.
وعلى صعيد الاقتصاد المقدسي، يؤكد الباحث المقدسي أن الاقتصاد في عام 2025، مّر بأحد أكثر مراحله صعوبة منذ عقود، بسبب فرض الاحتلال سياسات تُضعف القطاعات الإنتاجية، وتُقيّد حركة المال والعمل، وتمنع الاستثمار الفلسطيني من النمو، بهدف إفقار المقدسيين ودفعهم إلى الرحيل.
ويضيف أن نسبة الفقر في القدس تجاوزت الـ 75%، كما جرى إغلاق 302 محل تجاري وورش للعمل، نتيجة الأوضاع الاقتصادية، وتراكم الديون والمستحقات الضريبية على أصحابها.
وفي موازاة ذلك، تتعرض الأسواق والتجار لهجمة ضريبية غير مسبوقة، تشمل فرض غرامات باهظة وإغلاق محال، بحجج إدارية، في محاولة لخنق الاقتصاد المحلي.
تهويدها بالكامل
ويتضح من المعطيات المذكورة، وفقًا لأبو دياب، أن الاحتلال يزيد من ضغطه على القدس وأهلها، كعقاب جماعي وانتقام منهم، وبهدف إفراغ المدينة من سكانها الأصليين وإحلال مستوطنين بدلًا منهم, وتضييق الخناق عليها وزيادة عزلتها، وطمس معالمها وآثارها العربية والإسلامية.
ويقول: إن "ما جرى في القدس هذا العام يعد الأخطر والأسوأ، والأكثر تغييرًا في هويتها العربية والإسلامية، وسيواصل الاحتلال العمل في العام المقبل على تهويدها بالكامل، كونه قطّع شوطًا كبيرًا في ذلك".
ر ش
