مات "سعيد" قبل أن يكون له من اسمه نصيب في الحياة، التي وفد إليها قبل نحو شهر بخيمة "مائلة"، لم تُصمده أمام موجة البرد، فتجمد، مودعًا عذاباتها من بدايتها.
"سعيد"، ابن الثلاثين يومًا، تجمد في حضن أمه، التي نهش البرد جسدها في خيمتها قرب شاطىء بحر خانيونس، فلم يكن دفء قلبها مانعًا للكارثة.
"منذ يومين ونحن نموت من البرد، حتى تجمد سعيد فجأة"، يقول والده اسعيد عابدين لوكالة "صفا".
وحاملًا إياه لمثواه الأخير قبل البداية، يردد "ما لحقناه، تجمد بين إيدينا، وفي المستشفى لفظ أنفاسه الأخيرة".
ويصف خيمته "الخيمة مائلة ذائبة، ومن يوم المنخفض الأخير زاد البرد وصار لا يطاق فيها خاصة في الليل".
ورغم مراقبتها له ليلًا، إلا أن البرد القارس نال من جسد دضيعها أثناء نومها.
يضيف والده "صحونا من النوم وحرارته منخفضة جدًا وجسده أزرق مجمد، ركضنا للمستشفى، وحاولوا إنعاشه، لكن قدر الله أن يموت".
وتدخل "أربعينية" الشتاء أيامها الأولى في قطاع غزة، الذي يعيش سكانه في خيام، تفتقر لأدنى مقومات الحياة والأمان، ولا تحمي برد الشتاء ولا حرارة الصيف.
مؤشر لأيام عصيبة
وعابدين هو الرضيع الثاني الذي يرتقي بردًا في خيام النازحين بغزة، خلال أيام، وهو يدق ناقوس خطرٍ قادم، مع دخول فصل الشتاء.
ويقول مدير دائرة المعلومات بوزارة الصحة في غزة زاهر الوحيدي، "إن الرضيع عابدين وصل إلى المستشفى بدرجة حرارة منخفضة جدًا، قاربت على تجمده".
ويضيف "الطفل يقيم في خيمة قرب الشاطىء، وجاء له أهله في حالة حرجة، ولم يحتمل جسده البرد، فكانت محاولات إنعاشه دون جدوى".
ويفيد بأنه مع وفاة "عابدين" يُصبح عدد الوفيات بين الأطفال جراء البرد خلال يومين، حالتين، بالإضافة إلى وفاة 11 حالة وفاة جراء المنخفض الأخير وانهيارات البيوت.
ويحذر الوحيدي من أن وفاة طفلين بأيام، يعني أن غزة أمام أيام عصيبة، سيرتقي فيها المزيد من الأطفال".
ويستطرد "يبدو أن بداية الشتاء ستشهد المزيد من الوفيات جراء البرد، خاصة الأطفال والرضع، والحالتان مؤشر ليس جيد، لأننا في بداية فصل الشتاء، وهذا يعني أننا مقبلون على أيام عصيبة".
ويوضح أن معظم سكان غزة يعيشون في خيام وسط ظروف صحية ومعيشيّة صعبة جدًا، وهو ما يزيد احتمالات الوفاة.
وينوه إلى نقص خدمات الرعاية الأولية في أقسام الحضانة والولادة في مشافي غزة، والاكتظاظ الشديد في عناية الحضانات، وذلك نتيجة قيود الاحتلال على إدخال الأدوية والمعدات الطبية اللازمة، بالإضافة لسوء التغذية.
ويكمل "كل هذه لها دور كبير في التسبب بحالات الوفاة بين الأطفال جراء البرد".
ويلفت إلى أن 8 أطفال توفوا نتيجة البرد شتاء العام الماضي، متوقعًا أن يكون العدد أكثر خلال هذا الشتاء.
ويعيش في خيام غزة مليون ونصف نازح، جراء حرب الإبادة الإسرائيلية التي دمرت معظم مباني ومنازل القطاع على مدار أكثر من عامين.
