لا تتوقف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة عند حدود القتل والقصف أو النزوح؛ بل تمتد إلى تفاصيل دقيقة لكنها حيوية، كفقدان بطاقات الهوية الشخصية، التي باتت أزمة صامتة تشلّ حياة عشرات الآلاف.
فمع كل موجة قصف، تُفقد أوراق رسمية، وتُدفن هويات شخصية تحت الأنقاض، أو تحترق داخل المنازل المدمّرة. ويجد المواطنون أنفسهم بلا تعريف قانوني، عاجزين عن التحرك أو إنجاز أي معاملة رسمية، حتى في أبسط حقوقهم، كاستلام المساعدات أو التنقّل بالمستشفيات.
أُلفت عساف التي فقدت بطاقة التعريف الشخصي الخاصة بها تحت أنقاض منزلها، وأصدرت بدلا منها بطاقة مؤقتة، تفاجأت بامتناع بنك فلسطين عن إنشاء حساب لها لاستلام راتبها، بعد حصولها على فرصة عمل مؤقتة بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، وذلك كونها لا تمتلك بطاقة هوية شخصية ذات الإصدار السابق.
عساف التي تعيش وضعا معيشيا سيئا للغاية، لم تكن الفرحة تسعها بعقد العمل هذا، ولكن الفرحة لم تدم طويلا، فعقبة فقدان الهوية الشخصية جعل حياتها كابوسا يجب عليها إيجاد حلٍ لها وإلا فقدت فرصتها في التقدم لفرصة العمل المؤقت.
وتقول: "كنت أحتفظ بصورة إلكترونية عن الهوية في هاتفي المحمول، فقمت بإظهارها للموظف المسؤول إلا أنه رفض، واشترط إحضار الهوية الأصلية وفق الأنظمة المعتمدة".
شرطٌ يستحيل على أُلفت وكثير ممن فقدوا هوياتهم الشخصية تلبيته، فدوائر الأحوال المدنية شبه مشلولة، ومراكز الإصدار إما مدمّرة أو عاجزة عن تلبية الطلبات. وفي ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، تتراكم المعاملات ويضيع المواطن بين الانتظار والحاجة الملحّة.
وتضيف في حديثها لوكالة "صفا": "اضطررتُ إلى تفويض زوجي لاستلام الراتب نيابةً عني، كونه يمتلك حساب جاري في بنك فلسطين، في حل مؤقت، يمكنني من الاستفادة من عقد العمل المؤقت لحين حل اشكال اصدار بطاقات الهويية الشخصية".
المشكلة ذاتها تطال الذكور كما الاناث، فهذا إياد أبو يوسف، والذي أجبره التداول البنكي في شراء الاحتياجات المنزلية إلى الإسراع في الاصطفاف طابور منذ ساعات الفجر الأولى لفتح حساب في بنك فلسطين، ليتفاجأ برفض الموظف فتح الحساب له بحجة أن هويته الشخصية ليست معه، وبالرغم من امتلاكه بطاقة تعريف شخصي إلا أن البنك لم يقبل بها.
ويقول إياد،"حاولت كثيرا إقناع الموظف بقبول بطاقة التعريف الا أنه رفض بحجة أنها ليست الأصلية، فأخرجت له صورة إلكترونية بهاتفي المحمول ورفضه كما هو، بحجة أنها معاملة رسمية لا يستطيع التلاعب بها".
ويضيف في حديثه لوكالة "صفا"، "لم أكن الوحيد بل غيري آلاف المواطنين الذين عادوا أدراجهم دون التمكن من إجراء معاملاتهم البنكية من فتح حساب جديد أو تفعيل آخر مجمد".
ويتابع: "عندما خرجنا من بيوتنا لم نفكر بما سنواجهه اليوم كان جل تفكيرنا ينصب بالنجاة بحياتنا وصغارنا، والآن نواجه كابوسا لا حل له إلا بفتح المقار الحكومية وعودة العمل في وزارة الداخلية الشق المدني".
ويشير إلى أن توقف الحرب واقتصارها على الاستهدافات لم يغير من حرب الغزي شيئا، فكل خطوة يخطوها لإجراء معاملة ما سيحتاج الهوية الشخصية ولن يستطيع ذلك بعد فقدانها.
مدير عام المكتب الاعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، قال، إن الشق المدني في وزارة الداخلية غير قادر حاليًا على إصدار بدل فاقد أو تجديد بطاقات الهوية القديمة، رغم الحاجة الماسة إليها وارتباطها المباشر بمعاملات المواطنين اليومية، سواء في البنوك أو المؤسسات الرسمية والخاصة.
وأضاف الثوابتة في تصريحات صحفية أن ملف الهويات يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا في المرحلة الراهنة، مبينا، أن الوضع "متعذر تمامًا"، في ظل جملة من الأسباب الفنية واللوجستية التي يفرضها الاحتلال.
وأوضح أن أول هذه الأسباب يتمثل في عدم توفر الحبر التقني الخاص المستخدم في طباعة بطاقات الهوية، وهو حبر ذو مواصفات أمنية عالية يمنع الاحتلال إدخاله إلى قطاع غزة بشكل كامل.
وأردف أن عدم توفر الورق المخصص لطباعة الهوية، وهو ورق يتمتع بسماكة وخصائص أمنية خاصة لا يمكن استبداله بأي بديل عادي، ويُصنّف ضمن المواد المحظورة، شأنه شأن ورق جوازات السفر.
وأشار إلى أن النماذج الأصلية المعتمدة لطباعة بطاقات الهوية غير متوفرة في الظرف الحالي، نتيجة توقف خطوط الإمداد ومنع إدخالها، فضلًا عن انعدام غلاف الهوية الخارجي والجلاتين الداخلي الشفاف الخاص بها.
واعتبر الثوابتة أن القصف الإسرائيلي عمل على تعطّل المطابع المتخصصة التي كانت تتولى إنتاج هذه النماذج، بعد استهدافها خلال العدوان، ما جعلها غير قادرة على العودة إلى العمل.
وشدد على أن الأرشيف الورقي للسجل المدني، الذي يحتوي على بيانات التدقيق وصور المواطنين ومرفقاتهم الأساسية، تعرض لأضرار جسيمة، ولم يعد الوصول إليه ممكنًا في الوقت الراهن، ما يضيف عائقًا آخر أمام أي محاولة لمعالجة الأزمة.
