أثار التقرير الذي نشرته صحيفة "أفتونبلاديت" السويدية زوبعة كبيرة سواء في العلاقات الإسرائيلية السويدية أو في إثارة تساؤلات كبيرة حول حجم هذه الجرائم وأسباب عدم متابعتها محلياً سواء أكانت المتابعة رسمية أو شعبية؟ وهل كان الفلسطينيون أصحاب المعاناة بحاجة إلى صحفي سويدي من أجل الحديث عن هكذا جريمة؟.
يقول رئيس اللجنة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والمفقودين سالم خلة: "لا يوجد أدلة لدينا ووثائق قطعية على وجود حالات سرقة أعضاء؛ ولكن يوجد مؤشرات تجعل التقرير الذي نشرته الصحيفة السويدية مقنعاً".
وأضاف خلة أن التهرب والتسويف كان هو الجواب في 54 حالة قدمنا بها شكاوى إلى الاحتلال من أجل استرداد جثامين شهداء.
وأكد أن مفتاح القضية يكمن في استكمال التحقيق مع الشبكة الإسرائيلية التي ضبطت مؤخراً في الولايات المتحدة؛ لأنه من المعروف أن "إسرائيل" تعاني من مشكلة وجود نقص في عدد المتبرعين بأعضائهم، وبالتالي من غير المنطقي أن تكون الأعضاء التي تم المتاجرة بها ليهود.
وهذا ما يؤكده مدير مؤسسة الحق لحقوق الإنسان شعوان جبارين الذي قال: "يوجد شكوك كبيرة، ولكن لا يوجد توثيق دقيق"؛ وأضاف "طرقنا هذا الموضوع منذ سنوات ولكن المشكلة أن أسر الشهداء لم تتعاون كثيراً معنا".
وأشار جبارين إلى أن قضية سرقة الأعضاء مثبتة إسرائيلياً؛ ففي شهر كانون ثاني عام 2002 نشرت صحيفتي "يديعوت أحرونوت" و"كول هشيفع" وغيرهما من الصحف الإسرائيلية فضيحة سرقة أعضاء من معهد الطب الشرعي (أبو كبير).
وأوضح أنه ثبت تورط الطبيب الإسرائيلي يهودا هيس حينها بسرقة أعضاء الجثامين وخضع للمحاكمة وفصل من عمله، وعنونت الصحافة الإسرائيلية تقاريرها حينذاك بالقول: "هيس يحول (أبو كبير) إلى مخزن كبير للأعضاء البشرية".
تصرفات مريبة
وأشار جبارين إلى أن التصرفات المريبة لجنود الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى تؤكد شكوكنا حول وجود سرقة للأعضاء، حيث كانت عمليات دفن جثامين الشهداء تتم في كثير من الأحيان وفق شروط قاسية، مثل اشتراط الدفن في منتصف الليل وبحضور عشرة أشخاص فقط من أفراد العائلة؛ وإشراف الجنود الإسرائيليين.
وسرد جبارين قصة الشهيد بلال أحمد غانم من قرية إماتين قضاء قلقيلية والتي استدل بها الصحفي السويدي في تقريره قائلاً: "وثقنا هذه الحادثة والتي حدثت في الإنتفاضة الأولى بشكل كامل، ولكن حتى في هذه القصة لا يوجد دليل قطعي".
وأضاف أن أسرة الشهيد غانم طلبت تشريح الجثمان في معهد أبو كبير من أجل التأكد حينها من مسألة سرقة الأعضاء، وبالفعل تم التشريح.
وتابع "لكن إدارة المعهد رفضت إعطاء الأسرة نتائج التشريح؛ وأجبر جنود الاحتلال الأسرة على دفنه بدون جنازة وبحضور الجنود وعدد محدود من أفراد الأسرة، ثم سكبوا الباطون على القبر حتى يخفوا الجثة بالكامل".
وأكد جبارين أنه لوحظ في حالات كثيرة وجود هبوط في منطقة الصدر في جثامين لشهداء مما يؤكد أنها مفرغة من محتواها؛ ولكن عدم موافقة الأهل على التشريح وفتح الجثة كان يساعد في إخفاء الدليل.
وأوضح أن مؤسسة الحق وجهت خلال اليومين الماضيين سؤالاً علمياً إلى خبراء أجانب في أكثر من دولة حول إمكانية إثبات وجود سرقة لأعضاء جثامين في حال تم اليوم نبش القبور وفحص الجثامين بعد كل هذه السنوات الطويلة؟ قائلاً: "في حال تلقيناً رداً إيجابياً سنباشر في ذلك بمشاركة خبراء دوليين".
إهمال أم غفلة
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يكن يتم فحص جثامين الشهداء قبل دفنها من قبل أية جهة فلسطينية طيلة العقود الماضية، علماً أن المسألة لا تحتاج إلى أكثر من فك الخيط الذي خيط به الجثمان؟
وهنا أجاب خلة: "بصراحة تامة هذا الموضوع كان منسياً فلسطينياً ولم يثر من قبل، وهذا قصور في وعينا كفلسطينيين، وحتى موضوع جثامين الشهداء المحتجزة لدى (إسرائيل) فإنها لم تنل أي اهتمام قبل تشكيل اللجنة الوطنية".
وأضاف "نحن لدينا شكوك قديمة بأن جثامين الشهداء المحتجزة لدى (إسرائيل) تستخدم في الأبحاث الطبية والإتجار بالأعضاء".
أما جبارين فيرد من جانبه قائلاً: "إضافة إلى ما سبق فإن المشكلة تكمن في ثقافة المجتمع التي لا تتقبل بسهولة فكرة التشريح".
وأضاف أنه "في عام 2004 كان لدينا معلومات شبه مؤكدة عن حالة سرقة أعضاء لجثمان شهيد في مدينة رام الله، وحاولنا في مؤسسة الحق إقناع ذوي الشهيد بفحص الجثمان أثناء وجودها في مستشفى رام الله، ولكنهم رفضوا بشدة".
وتابع "حاولنا مع إدارة المستشفى ولكن الأطباء رفضوا ذلك قطعيا دون موافقة الأهل، ودفنت الجثة ودفن السر معها"، مردفاً أن "هذا أدى إلى القول بأنه لا يوجد أسرة شهيد واحدة يمكن أن تقدم إفادة قطعية اليوم، وهذا مؤسف إلى حد كبير".
ورغم كثرة المؤسسات الحقوقية العاملة في الأراضي الفلسطينية ؛ فإن اللافت أن كثيراً من هذه المؤسسات لم تعمل بجدية على هذه سرقة أعضاء الشهداء وبعضها مضى على عمله في الأراضي الفلسطينية عقود؛ رغم أنه كان الأجدر بها أن تكون هي من يثير القضية، حتى لا تبقي القضية حبيسة المكر الإسرائيلي في إخفاء الأدلة، والإهمال الفلسطيني في إثبات الجرائم.
