لا ينفصل ما يجري من خروقات واغتيالات إسرائيلية في لبنان، عن المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، والتي كانت محاولة لـ"رفع وتيرة القمع والعبث بالساحة اللبنانية".
وتريد "إسرائيل" من تنوع الاستهدافات وتحديدًا قصف المخيمات الفلسطينية في لبنان، "أن توقع بين اللاجئين والدولة اللبنانية، ومن جانب آخر تريد أن تغطي على فشلها في مسألة ردع العدو"، حسبما يؤكد مختصان بالشأن السياسي والأمني.
وارتكبت "إسرائيل" الخميس الماضي مجزرة في مخيم عين الحلوة في صيدا، باستهداف ملعب الشهيد "حمد طه"، والتي ارتقى فيها 13 شهيدًا.
ولاقت المجزرة تنديدًا لبنانيًا وفلسطينيًا ةدوليًا وعربيًا واسعًا، وكانت من أقوى الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي أبرم في سبتمبر عام 2024.
ومنذ وقف إطلاق النار في لبنان، توالت الانتهاكات الإسرائيلية، إذ يرتقي ما لا يقل عن شهيدين يوميًا، في محاولة لخلط الأوراق وفرض "الردع"، والبقاء على الجبهة مفتوحة الاستهدافات.
العبث وتشابك الدولة بالمخيمات
ويقول المختص بالشأن الإسرائيلي عماد عواد لوكالة "صفا"، إن توالي الاستهدافات الإسرائيلية في المنطقة بدأ يقود بشكل أو بآخر إلى رغبة إسرائيلية لزيادة وتيرة القمع.
ويضيف "هذه الوتيرة تريدها إسرائيل لاعتبار مهم، وهو أن الردع فشل في السابق، وبات لا يُستخدم هذا المصطلح داخلياً في إسرائيل، لأنه لم ينجح مع حماس وحزب الله وأطراف أخرى".
"وبالتالي فإن إسرائيل ترى أن المشهد يجب أن يكون استمرار القمع من أجل تحقيق الأهداف السياسية، في ظل تبريرها لاستخدام كل ما لديها من قوة"، وفق عواد.
ولذلك، يشير إلى أن استهداف مخيم عين الحلوة بمجزرة قبل أيام، يأتي في سياقات عدة، الأول العبث في الساحة اللبنانية ومحاولة تحويل المخيمات الفلسطينية إلى عبء على الدولة اللبنانية، من أجل خلق مشهد تشابكي بين المخيمات وبين الدولة.
وتُعد قضية اللاجئين الفلسطينيين حساسة للغاية بالنسبة لـ"إسرائيل" لما لها من بعد رمزي تجاه تثبيت الحق الفلسطيني، والمخيمات علامة على رمزية القضية.
رفع مستوى القمع
والسياق الثاني، من وجهة نظر عواد، هو أن الاحتلال يهدف من خلال مجزرة عين الحلوة وما يتبعها من استهدافات، إلى رفع مستوى القمع الإسرائيلي باتجاه تنسيق معادلة جديدة، وهي أن الساحات الفلسطينية التي كانت آمنة، حتى لو في الخارج، سيتم استهدافها.
ويقول "هي بذلك تريد التمهيد لما هو مستقبلي، وهو أن مساحة القمع ستزداد".
أما السياق الثالث، فهو أن "إسرائيل في الداخل معنية باستمرار هذه الحالة، لأن المجتمع الإسرائيلي مؤمن بأن حكومته بغض النظر عن هويتها، يجب أن تستمر باستخدام فائض الذخيرة في الإقليم سواء ضد الفلسطينيين أو غير الفلسطينيين".
ويعزي ذلك عواد، إلى أن "المجتمع الإسرائيلي ما بعد 7 أكتوبر لم يعد يثق بنفسه ولا بالمحيط، وبالتالي هو يتخبط باتجاه ضرورة استخدام العنف والقوة في كل الاتجاهات، وتحديداً من هذه الحكومة التي تغطي على فشلها".
وبسبب ما سبق، فإننا-حسب عواد- أمام مشهدية سوف تتكرر، موضحًا أن "إسرائيل تريد من خلالها ترسيخ قاعدة أنه لا خطوط حمراء في المنطقة، وأن القمع والعدوان هو جزء من أي اتفاق سواء في لبنان أو غزة أو سيحدث مستقبلاً، تحت ذريعة أن لإسرائيل تحديات أمنية".
حلقة في سلسلة أوسع
من جانبه، يؤكد المختص بالشأن الإسرائيلي والأمني ياسر مناع، أنه يمكن مقاربة استهداف مخيم عين الحلوة، بوصفه حلقةً في سلسلة أوسع من السياسات الإسرائيلية، لا كحادثة معزولة عن سياقاتها.
ويقول "من جهة أولى، ينسجم هذا الاستهداف مع العقيدة العملياتية التي تتبنّاها إسرائيل، والقائمة على مبدأ المبادرة والضربات الاستباقية؛ أي السعي الدائم إلى توجيه ضربات وقائية لكل ما تُصنِّفه تهديدًا محتملًا قبل تبلوره وتحوّله إلى قوة منظَّمة أو معادلة ميدانية جديدة".
ومن جهة ثانية، يتصل الحدث -حسب مناع- بخطٍّ استراتيجي ثابت يقوم على ملاحقة الفاعلين في الفصائل الفلسطينية واستهدافهم أينما وجدوا، بعيدًا عن أي قيد جغرافي.
ويشدد على أن هذا الاستهداف يعكس سياسة منظّمة تهدف إلى إنهاك البنية القيادية والتنظيمية للفصائل الفلسطينية في الداخل والخارج على حدّ سواء.
فتح ملف المخيمات
أمّا في السياق اللبناني الداخلي، فيأتي هذا الاستهداف على وقع نقاش حسّاس ومفتوح حول سلاح المخيمات الفلسطينية وسلاح حزب الله، يقول مناع.
ويضيف "هذا يجعل الضربة في عين الحلوة عامل توتير إضافي يُستثمر لدفع هذا النقاش باتجاه مزيد من الاستقطاب، وإعادة إنتاج الانقسامات حول ملف السلاح، وربما توظيفها سياسيًا في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة".
كما يجزم مناع بأن استهداف "عين الحلوة، يندرج في إطار مسار أوسع من استهداف المخيمات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية وساحات اللجوء في الخارج، في محاولة متكرّرة لتدمير هذه المخيمات".
ويتابع "كما يهدف لتفريغ المخيمات من مضمونها الديمغرافي والسياسي والرمزي، بما يمسّ جوهر البنية الاجتماعية للمخيم الفلسطيني ودوره في حفظ هوية اللاجئين وحقهم في العودة".
وارتكبت "إسرائيل" أكثر من ألف خرق لاتفاق وقف إطلاق النار بلبنان، وراح ضحيتهم نحو 350 شهيدًا ومئات المصابين، حسب تقارير رسمية لبنانية.
