غزة- مدلين خلة - صفا
ما إن أُعلن عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حتى بدأت غزة تُلملم ما تبقّى منها، رُغم أنها مثخنة بالجراح، مكلومة بالفقد، ومحاصرة بين الركام والمعاناة.
تلك المدينة التي صمّدت تحت الجوع والقصف والقتل والدمار الإسرائيلي لمدة 734 يومًا، عادت لتنهض من جديد، متحدية آلامها وأوجاعها.
خفتت أصوات الانفجارات، لكن صدى المجازر لا يزال يعلو في القلوب، فعلى الرغم من توقف الصواريخ والطائرات، إلا أن المآذن لا تنادي فقط للصلاة، بل لدفن الشهداء، والبحث عن المفقودين.
أعداد هائلة من العائلات تحاول العودة إلى بيوتها، لكن المفارقة المؤلمة أن البيوت نفسها لم تعد موجودة، فالأطفال يمسكون بملابسهم القديمة، ينظرون إلى الحجارة والفراغ، وكأنهم يبحثون عن ملامح الطفولة وسط الخراب.
بغزة أحياء بأكملها تحوّلت إلى أطلال، فحي الزيتون، الشجاعية، التفاح، وجباليا، تحمل أسماءها فقط، أما ملامحها فقد سُحقت تحت وطأة القصف، المباني باتت قبورًا صامتة، والأسواق هياكل خاوية، والحياة تتنفس من فتحة ضيقة اسمها "الصبر".
جرح نازف
لم يكن المواطن رشاد أبو العبد ينوي العودة إلى شمالي غزة باكرًا، بسبب ازدحام شارع الرشيد بآلاف النازحين الذين يعودون إلى منازلهم في غزة.
يقول أبو العبد لوكالة "صفا": "كنت قد قررت عدم العودة في أول أيام فتح طريق العودة، لأن الأخبار التي جاءت تفيد بتجريف منزلي وفضلت تأجيل العودة لأيامٍ قادمة، لكن الحنين للشمال قاد قدمي نحو شارع رشيد".
ويضيف "كان الإعلان عن وقف إطلاق النار فتحٌ لجرح الفقد وفراق الأحبة وساحة لبكاء جميع من كانوا ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر، لكنهم فارقونا".
ويشير إلى أن جرح غزة فُتحت آهاته مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ، فمن دُمر بيته وفقد عزيزًا سيبكيه الآن كما لم يفعل من قبل.
عودة رغم الدمار
عماد بكر نازحٌ بات ليلته على "تبة النويري" ينتظر بفارغ الصبر السماح بعودته وآلاف الغزيين إلى شمالي القطاع، يقول لوكالة "صفا": "منذ ساعات الإعلان عن الاتفاق ونحن ننتظر العودة لما تبقى من منازلنا أو لركامها، نزيح عن أنفسنا غبار النزوح وتعب عامين من الحرب".
ويضيف "لم يكن الإعلان عن انتهاء الحرب يحمل معه انتهاء المأساة والوجع، بل كان بمثابة جرح آخر فُتِح في قلوبنا برحيل أحبة كانوا ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر".
ويتابع "الفرحة لم تكن إلا لتوقف شلال الدم، بعد عامين من الابادة حفرا بالقلب جرحًا لم نجد وقتًا للبكاء عليه، والآن أخذنا الوقت لذلك".
ويشير إلى أن العودة إلى شمالي القطاع تحمل في طياتها جرحًا آخر، كونها ستكون للدمار وركام المنازل التي دمرها جيش الاحتلال، بعدما عاث في المنطقة فسادًا وأخفى معالمها كافة.
وظهر الجمعة، دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة "حماس" و"إسرائيل"، حيز التنفيذ عند الساعة 12:00ظهرًا، بعد أن أقرت حكومة الاحتلال الاتفاق.
والخميس، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتهاء الحرب في قطاع غزة، قائلًا: "أنهينا الحرب في غزة وأعتقد أننا نتجه نحو سلام دائم"،
وكانت وزارة الداخلية في غزة أعلنت بدء الانتشار لاستعادة النظام، في حين بدأت فرق الدفاع المدني عمليات بحث واسعة عن المفقودين، وانتشال جثامين الشهداء.
ر ش
