موجة اعترافات رسمية من دول غربية أوروبية بدولة فلسطين، قُررت بوقت تغرق "إسرائيل" بجرائمها وتعيث فسادًا مسابقة الزمن في تغولها على أرض فلسطين، بالإبادة والتدمير والمصادرة، لمنع إمكانية إقامتها.
وتشكل هذه الاعترافات صفعة أوروبية على مدار عقود، لـ"إسرائيل" بعد سنوات من لدعم الأعمى والمطلق لها، وسيترتب عليها مخاطر بالنسبة لـ"اسرائيل"، حسبما يؤكد محللان سياسيان.
وأعلنت بريطانيا وكندا وأستراليا، يوم الأحد، الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين.
وأكدت الدول الثلاث في بيانات منفصلة، أن "الاعتراف يأتي التزامًا بمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتجسيدًا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".
ومن المقرر أن تتخذ دولًا غربية أخرى ذات الخطوة، وهو ما سيشكل تصدعًا في الجدار الغربي الداعم لـ"إسرائيل".
تشكُل مسارين
ويقول المحلل السياسي سليمان بشارات لوكالة "صفا"، إن هذه الخطوة الغربية جاءت متأخرة جداً عما يعانية الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال الاسرائيلي على مدار سنوات طويلة.
ويضيف "هذا لا يعني وجود حالة من الاستفاقة الانسانية لدى هذه الدول، ولكن يبدو أنها استجابة طبيعة التحولات التي بات يشهدها العالم ككل، ما بعد حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل بغزة".
ولكنه يشدد على أن هذه الاعترافات قفزة تجاه السياسات الاسرائيلية البشعة التي تمارس ضد الفلسطنيين في كل مكان سواء في غزة أو الضفة أو تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام.
وبالتالي فإن هذه الخطوة تمثل تصدعاً في الجدار الغربي، فيما يتعلق بالمواقف التي تمثل داعمًا أساسيًا كاملًا للسياسات الاسرائيلية، يجزم بشارات.
ويتابع "اسرائيل اليوم صحيح أنها ما زالت تنظر لهذه الخطوات بأنها يمكن التعاطي والتعامل معها، وأن السقف معها ربما مرهون بالمواقف السياسية، ولن تذهب نحو فرض عقوبات مباشرة، لكن باعتقادي أن إسرائيل ترى فيها خطوة خطيرة".
ويعزي ذلك لكون هذه الاعترافات تأتي انسجاماً مع التحولات التي شهدتها الدول الغربية على مستوى المجتمعات، وبالتالي هي بداية تشكل رأي عام دولي تجاه الانفكاك والبعد شيئاً فشيئاً عن الاحتلال الاسرائيلي ودعمه المطلق.
ومن وجهة نظر بشارات فإن هذه الخطوات الغربية، تفتح المجال أمام التشكيك في الرواية والسردية الإسرائيلية، التي تحاول الحركة الصهيونية العالمي أن تسيطر من خلالها على الموقف الدولي وتثبت أن ما يصدر عنها هو الحقيقة.
وبذات الوقت، فإن هذه الاعترافات -من وجهة نظره-بداية تشكل مسارين تجاه القضية الفلسطينية، الأول متمثل بالولايات المتحدة الأمريكية الداعم المطلق لـ"اسرائيل"، والمسار الآخر هو الوجه الغربي الأوروبي الذي بدأ ينفك عن الهيمنة والمعادلة الأمريكية المطلقة.
ولذلك يؤكد بشارات أن هذه الخطوة مهمة وتؤسس، ولكن يجب البناء عليها من قبل هذه الدول، بمعنى إلا يكون سقفها فقط الذهاب لحالة الاعتراف والتوقف عندها، وإنما الذهاب لخطوات فعالة تجاه الممارسات الاسرائيلية.
وينوه لضرورة أن يترجم القرار لحماية للدولة الفلسطينية التي يتم الاعتراف بها، ومن جانب آخر معاقبة "إسرائيل" في أي انتهاكات من الآن فصاعدًا، وفقاً للقانون الدولي الذي يقر مبدأ حماية الدول من أي اعتداءات أو كيانات معادية.
كما يقول "هذه القرارات تجلب مساحة أوسع لأن يكون هناك دور سياسي على المستوى الدولي تجاه القضية الفلسطينية وبداية انفكاك من الضغوط السياسة التي تمارس على القرارات الدولية".
ما سيترتب عليها
من جانبه، يقول المحلل السياسي خلدون البرغوثي لوكالة "صفا"، إن هناك قلق واضح في "إسرائيل" وردود عنيفة من الوزراء والمسؤولين الذين يدعون إلى رد فعل على اعتراف بريطانيا واستراليا وكندا بدولة فلسطين بالدعوة إلى ضم الضفة بشكل فوري.
ويضيف "أن قلق إسرائيل هو أنه رغم أن الاعتراف قد يكون رمزي، ولكن يترتب عليه إجراءات قانونية لاحقاً، حيث أن دولة فلسطين ستصبح في نظر العالم دولة خاضعة لاحتلال دولة أجنبية أخرى، وهذا له تبعات قانونية في القانون الدولي".
من جانب آخر، فإن هذا الاعتراف مؤشر بالنسبة للكثير من الذين يهاجمون الحكومة الإسرائيلية، وسياساتها التي أوصلت وضع "إسرائيل" دولياً إلى الحضيض، حسب البرغوثي.
ويفيد بأن القرارات تأتي في ظل عقوبات يتخذها الاتحاد الأوروبي أو توصيات بإتخاذ هذه العقوبات، فيما يتعلق بالتسهيلات التجارية بين "إسرائيل" والاتحاد الأوروبي.
ويكمل "نتحدث عن المبالغ بعشرات المليارات، فهناك مساعي لطرد إسرائيل تقريباً من كل فعالية دولية، وهو ما بدأ بالمسابقة الأغنية الأوروبية الفيفا واتحاد الكرة الأوروبي الويفا، الذي سيتم بحثه يوم الثلاثاء وقد يصوت عليه، وتتخذه لاحقًا اتحادات أخرى، كما أن الكثير من الشركات التي تتعامل مع شركات إسرائيلية ألغت عشرات الصفقات حسب ما اعترف به رئيس اتحاد الصناعيين الإسرائيليين".
ويؤكد بالقول "هذه كرة تتدحرج والكثير من الإسرائيليين أنفسهم يقولون إن إسرائيل باتت الدولة المنبوذة في العالم ولا حليف لها سوى الولايات المتحدة".
ويرى أن كل هذا له ثمن السياسي دبلوماسي ثم اقتصادي اجتماعي على الإسرائيليين وعسكري أيضًا.
وبالرغم من أن القرار حالياً قد يكون رمزيًا وقد نشهد تصعيداً في الضفة رداً عليه، لكن على المدى الطويل فإن"إسرائيل" بكل إجراء تتخذ تتورط أكثر وتعزل نفسها، وهو القلق الذي ينتاب الولايات المتحدة، التي تخشى من وضع "اسرائيل" الحالي، يجزم البرغوثي.
ويشدد على أن كل هذه الأمور ينظر لها في "إسرائيل" من قبل العقلانيين بشكل جدي على أنها تهديد استراتيجي، كما أن الدعم الدولي الشعبي للفلسطينيين من الاحتلال هذا أيضا يشكل حالة قلق في "إسرائيل"، لأنه يؤكد مدى تدهور مكانة "إسرائيل" بين دول كانت تدعمها على كل المستويات، والآن تتخذ إجراءات صدها.
ويشير إلى أن "إسرائيل" قد ترد على هذه الإجراءات بطريقة غير دبلوماسية، وقد تؤدي إلى توتر، مستدركًا "لكن القضية ليست فقط برمزية الاعتراف بدولة فلسطين، وإنما بما سيترتب على هذا الحدث".
