في خضم حرب طاحنة ونظام صحي متهالك، بدأت أعراض غريبة تنتشر بين المرضى والجرحى في مستشفيات غزة، تشير إلى وجود فيروسات مجهولة المصدر تنهش أجسادًا أرهقها الحصار والقصف.
لم تعد الإصابات تقتصر على الجراح المفتوحة أو الحروق، بل بدأت العدوى الغامضة تنتقل بسرعة، مسببةً ارتفاعًا حادًا في الحرارة، وتقيؤًا مستمرًا، واضطرابات في الجهاز التنفسي.
الكوادر الطبية تقف عاجزة، لا إمكانيات مخبرية للفحص، ولا أدوية مضادة، ولا وقت كافٍ للعزل، وسط تدفّق غير مسبوق للجرحى.
فيروسات تشبه في أعراضها "الإنفلونزا الموسمية" أو "كوفيد 19"، دفعت بعض المصابين إلى الذهاب للمستشفيات المكتظة بالجرحى والمرضى دون توفر الدواء أو المستلزمات الطبية بفعل سياسات الاحتلال العقابية على السكان المدنيين ومنعه إدخال الدواء والمستلزمات الطبية للقطاع.
لا علاج
"عطا بهجة" نزح قسرًا من منطقة سكنه بشارع الجلاء إلى غربي مدينة غزة، كان واحدًا من عشرات المرضى الذين اشتكوا من ارتفاع درجات الحرارة، ضيق في التنفس، واحتقان في الحلق، لينتظر ثلاث ساعات في طابور الطبيب المعالج ليعود بخفي حنين عندما لم يستطع الأخير تقديم العلاج اللازم له باستثناء "تبخيرة" علاجية على جهاز التنفس الاصطناعي.
يقول بهجة في حديثه لوكالة "صفا": "هنا في غزة نشكو القصف والدمار والجوع والمرض وغياب الدواء".
ويضيف، "لا نعلم طبيعة الفايروس الذي يضرب أجسادنا، تارة نعتبره إنفلونزا وأحيانًا أخرى كورونا، لا علاجات متوافرة ولا فحوصات طبية لتشخيص الأمراض".
لم تكن الأعراض التي أصابت الثلاثينية نهى حمدان وطفليها بتلك التي قد تحدث في هذا الوقت من العام، فارتفاع درجات الحرارة، والإسهال، وألم في العظام واحتقان وسيلان في الأنف، جميعها اجتمعت تنهش في أجسادهم دون علاج يخفف ألمهم.
"منذ 5 أيام ونحن نعاني من مضاعفات شديدة وآلام أشد، ذهبت إلى المستوصف الطبي فأخبرني الطبيب بعدم وجود أي فحوص طبية متوافرة في مشافي القطاع"، تقول حمدان.
وتضيف في حديثها لوكالة "صفا"، أن كل ما استطاعت الحصول عليه هو خافض للحرارة وبضع حبات من "التروفين" والتي لم تكن كافية للاستطباب وزوال هذه الأعراض التي تضرب أجساد أبنائها.
وتتابع، "اتجهت إلى الأعشاب الطبيعية والطبية للتخفيف من سيلان الأنف والاحتقان".
عجز المنظومة الصحية
وكان مدير مجمع الشفاء الطبي د. محمد أبو سليمة، أن انتشار الفيروسات الجديدة في غزة بمثابة "أزمة جديدة" تعصف بالمنظومة الصحية التي دمرتها "إسرائيل" طوال عامين من حرب الإبادة.
وشدد أبو سلمية على عجز المنظومة الصحية عن تحديد هوية هذه الفيروسات التي تهاجم المواطنين المتكدسين في مخيمات الإيواء والنزوح – وإن كانت الأعراض تشبه فيروس كورونا/ كوفيد 19 – وتصيب المرضى بـ: ارتفاع درجات الحرارة، سعال شديد، ارتفاع ضغط الدم والصداع، سيلان في الأنف.
وأكد أن انتشار هذه الفيروسات غير معلومة المصدر والهوية تفاقم معاناة المواطنين والمنظومة الصحية على حد سواء، وسط نقص الإمكانيات الطبية والدوائية.
