يبدو أن "إسرائيل" وتحديدًا "بنيامين نتنياهو" وحكومته، أرادت من محاولة اغتيال وفد حركة "حماس" المفاوض، الذهاب إلى النهاية، مهما كانت الأثمان، وفق محللين سياسيين.
وأراد "نتنياهو" من عملية الاغتيال التي فشلت، "الوصول لهدفين، ضرب المفاوضات لضمان الاستمرار بالحرب، والبحث عن وهم النصر المطلق، بالقضاء على حماس، والذي يتغنى به منذ عامين".
واستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي، يوم الثلاثاء، قيادة حركة "حماس" في الدوحة أثناء اجتماع وفدها المفاوض لبحث مقترح الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وأعلن في بيان رسمي له أن "سلاح الجو هجومًا مركزًا استهدف قمة قيادة حماس في قطر".
وأعلنت حركة "حماس" مساء الثلاثاء، فشل "إسرائيل" باغتيال وفدها المفاوض في العاصمة القطرية، واصفة قصف طائرات الاحتلال مكان اجتماعه بـ"الجريمة البشعة والعدوان السافر، والانتهاك الصارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية".
ولاقت جريمة الاغتيال إدانات دولية واسعة، ووصفت معظم الدول "إسرائيل" بـ"الدولة المارقة"، متهمة واشنطن بالتواطؤ في الجريمة.
وأعلنت واشنطن مؤخرًا عن تقديم مقترح جديد لوقف إطلاق النار بغزة، يتضمن صفقة تقضي بالإفراج عن كافة أسرى الاحتلال والتفاوض خلال ذلك على إنهاء الحرب، وهو ما أعقبه تصريح من مكتب "نتنياهو"، بأنه يدرس المقترح بجدية.
لكن "نتنياهو" لا يرغب بإنهاء الحرب على أي حال، وهو ما دفعه لارتكاب جريمة اغتيال الوفد المفاوض الفاشلة، التي وضعته بموقف فاضح ومحرج، حسب المحللين السياسيين.
الذهاب لوهم "النصر المطلق"
ويجزم المختص بالشأن الإسرائيلي أنطون شلحت، أن الواضح تماماً هو أن غاية "إسرائيل من وراء هذا الهجوم هي: أولاً، تفجير المفاوضات لصفقة تبادل الأسرى وإنهاء الحرب حتى ولو بحسب المقترح الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يتيح لنتنياهو وحكومته إمكان الاستمرار في الحرب على غزة".
ويقول لوكالة "صفا "إن في استمرار الحرب ضمانة لبقاء ائتلافه الحكومي حتى انتهاء ولايته القانونية، وهذه غاية جوهرية بالنسبة إلى نتنياهو".
ويرى أن الهدف الثاني من محاولة اغتيال وفد حماس، هو الوصول إلى هدف "القضاء على حماس"، الذي يتبناه "نتنياهو"، ويشدد عليه في الآونة الأخيرة، ويروّج بأنه ينطوي على تحقيق ما يصفه بأنه نصر مطلق.
ولكن نجاة الوفد المفاوض، يضع "إسرائيل" أمام معضلة حقيقية، وزاد عليها ربما موقف واشنطن التي تحفظت من عملية الهجوم، والتي يبدو أنها فعلت ذلك بعد فشله، وفق شلحت.
ومن وجهة نظره أن "هناك تقديرات بأن واشنطن قد تسعى أكثر نحو وقف الحرب في الوقت الحالي".
الذهاب إلى النهاية
من جانبه، يرى المحلل السياسي خلدون البرغوثي أن عملية محاولة اغتيال وفد "حماس" المفاوض"، يدلل بما لا يدع مجالًا للشك، على "تأكيد حسم إسرائيل، وللدقة بنيامين نتنياهو وحكومته، القرار، بالذهاب إلى النهاية في قطاع غزة، بغض النظر عن الثمن من حياة أسرى إسرائيليين وجنود ومجازر في غزة، وتدهور وضع إسرائيل دولياً على المستويات".
وأيضًا أراد "نتنياهو"، تعميق الانقسام الداخلي، فقط من أجل ضمان البقاء في الحكم من طرفه، وتنفيذ أجندته اليمينية المتوافقة مع أجندة الصهيونية الدينية بجناحيها سموتريتش وبن غفير، حسب البرغوثي.
ومن وجهة نظره، فإن قطر تستفيد من تبعات الهجوم عليها، فقد أعلنت أنها لن تتخلى عن دورها في الوساطة، وتطالب بتعويض لها عن الهجوم من الإدارة الأمريكية برئاسة "ترامب".
ويكمل في حديث لوكالة "صفا"، "يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى بشكل جاد لتبرئة نفسها من التواطؤ مع "إسرائيل" على الهجوم، وهي مطالبة اليوم بهذه العملية، بفرض إرادتها على "إسرائيل" لإنهاء الحرب في غزة وفق صيغ صفقات مختلفة تكون مقبولة لدى حماس، مثل الصفقات السابقة مع استثناء المقترح الأخير.
أين ستذهب بـ"إسرائيل"
المختص بالشأن الإسرائيلي عماد عواد، يقول "إن احتمالية فشل عملية الاغتيال سينعكس سلبًا عليها بكل المنحنيات، أولها الشعور الإقليمي ككل حتى لتلك الدول التي تعتبر نفسها مطبعة أو على الحياد، بأنها ليست في مأمن، وأن "إسرائيل" تشكل تهديدًا حقيقيًا لها، وأن الولايات المتحدة التي وقعت اتفاقيات مع تلك الدول، لا يمكن أن تحميها من "إسرائيل".
ويوضح "وبالتالي سيكون هناك حجم من الخديعة والاستمرار بالمستقبل في الاستهداف خاصة أن إسرائيل إذا ما استهدفت تعود للاستهداف مرات ومرات".
وبرأيه فإنه "بهذه العملية خسرت إسرائيل على المستوى الدولي الصورة، وهي تعاني أصلاً من تآكل صورتها، وهو ما سينعكس سلبًا عليها، خاصة وأنه مع هذه العملية هناك انطباع بأن هذا الكيان لا يريد هدوء في المنطقة وستسمر باشعال الحروب".
وبعد تصاعد احتمالات فشل اغتيال وفد التفاوض، ربما يكون هناك منحنيات أخرى في التعاطي الأمريكي مع "إسرائيل"، لأنه واضح أنها ذهبت معها لأبعد ما يكون في سياق زمني معين، لذلك فقد تلجأ لخطوات للوصول لصيغ مختلفة فيما يتعلق بالصراع ككل في المنطقة، يفيد عواد.
ويضيف "إسرائيل اليوم هي أكثر ضعفًا بسبب استخدامها القوة الزايدة وذهابها لاستهداف داخل دولة وسيط، والأهم داخليًا أنها وضعت نفسها بحالة حرج كونها احتفت وتغنت بالاغتيال ثم ثبت عدم وجود نجاح للعملية".
ويشدد على أن هذا الإحراج سينعكس على قدرة الحكومة الإسرائيلية في التعاطي مع ملف غزة، وتعقيد ملف التفاوض، وبالمجمل "نتنياهو" ضار بـ"إسرائيل"، لأن المنظومة الدولية كليًا اليوم ضدها.
ورغم محاولة واشنطن تبرئة نفسها من جريمة الاغتيال، إلا أن الحقائق على الواقع أقوى ما يدحض كذب هذه المحاولات، والتي قال عنها المحلل العسكري الإسرائيلي، يوسي يهوشواع "يجب التذكير أن للولايات المتحدة الأمريكية قاعدة عسكرية في قطر وبالتالي، فإن دخول الطائرات الإسرائيلية إلى المنطقة يحتاج إلى تنسيق ضروري جداً مع القوات الأمريكية حتى لو قالوا لنا عكس ذلك".
ومنذ أكتوبر للعام 2023 ترتكب "إسرائيل" بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية وجريمة تجويع، أدت لاستشهاد ما يزيد عن 62 ألف شهيد، بالإضافة لما يزيد عن 156 ألف إصابة، وما يزيد عن 14 ألف مفقود تحت الأنقاض.
