أصدر مركز الدراسات السياسية والتنموية، ورقة تحليلية معمّقة بعنوان "مستقبل الضفة الغربية: من مخططات الضم والتفكيك إلى احتمالات الانتفاضة الجديدة"، تناولت التطورات الخطيرة التي تشهدها الضفة الغربية منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر 2023، مسلّطة الضوء على السياسات الإسرائيلية المتصاعدة وأثرها على المشهد الفلسطيني الداخلي والإقليمي.
وأكدت الورقة أن مدن ومخيمات الضفة –وعلى رأسها جنين وطولكرم– تحولت خلال العامين الأخيرين إلى ساحات عمليات تدمير ممنهجة، في إطار استراتيجية إسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والعمراني، بالتوازي مع تسارع خطوات الضم الاستيطاني شبه المعلن.
وتطرقت الورقة إلى مشاريع تفكيكية مثل فكرة "الإمارات المحلية" التي تستهدف ضرب وحدة المجتمع الفلسطيني وإضعاف مركز القرار السياسي.
وأشارت الورقة إلى أنّ الأزمات المتفاقمة التي تعصف بالسلطة الفلسطينية –سواء على المستوى المالي بفعل حجز أموال المقاصة أو على المستوى السياسي بفقدان الشرعية الشعبية– تزيد من هشاشتها، وتضعها في موقف ضعيف أمام هذه التحولات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول احتمالات اندلاع انتفاضة جديدة أو استمرار حالة "السكون القسري".
السيناريوهات المستقبلية
ورسمت الورقة أربعة مسارات محتملة لمستقبل الضفة الغربية: "انتفاضة شاملة، شعبية أو مسلحة، على غرار انتفاضتي 1987 و2000، مقاومة محلية محدودة، عبر مجموعات مسلحة في جنين ونابلس وطولكرم دون توسع شامل، استمرار الوضع الراهن، أي هدوء نسبي تحت قبضة الاحتلال الأمنية ودور السلطة في الاحتواء، انهيار تدريجي للسلطة، يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني واسع".
عوامل الدفع والكبح
وأوضحت الورقة أن احتمالات الانفجار الشعبي تتغذى من تراكم الغضب إزاء الاستيطان والقتل والهدم، ومن فقدان الثقة بالسلطة، إلى جانب التأثير النفسي والمعنوي لصمود غزة، وفي المقابل، فإن القبضة الأمنية الإسرائيلية المحكمة، ودور السلطة في الاحتواء، إضافة إلى الخوف الشعبي من كلفة المواجهة وغياب مشروع سياسي جامع، تبقى جميعها عوامل كابحة لاستمرار الهدوء.
التأثيرات الإقليمية والدولية
وخلصت الورقة إلى أن المواقف الإقليمية –خصوصًا مصر والأردن والإمارات– تشكّل سقوفًا سياسية تمنع سيناريوهات التهجير الجماعي أو الضم الشامل، لكنها لا تكبح التوسع الاستيطاني أو سياسات "التفكيك التدريجي".
أما دوليًا، فلفتت الورقة إلى أن الانقسام الغربي يظل قائمًا بين توجهات أوروبية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتحفّظ أميركي مستمر، وهو ما يترك الضفة في حالة هشاشة استراتيجية.
توصيات للجانب الفلسطيني
ودعت الورقة القوى الفلسطينية إلى ضرورة بلورة مشروع سياسي جامع يوازن بين المقاومة الشعبية والمسلحة والمسار الدبلوماسي، والاستثمار في خطاب إعلامي موحد يفضح سياسات الضم والتفكيك، ويعزز التواصل مع الرأي العام العربي والدولي.
وطالبت بتفعيل أدوات المقاومة المدنية والاقتصادية لمواجهة الضغوط الإسرائيلية، مع العمل على تحصين الجبهة الداخلية في مواجهة سيناريوهات الانقسام والتفكيك.
واختتمت الورقة بالتأكيد أن الضفة الغربية تقف اليوم أمام "معادلة توازن هش": فبينما يراكم الاحتلال أسباب الانفجار، فإنه يعمل في الوقت نفسه على تكبيل المجتمع الفلسطيني بأدوات الردع والأمن والإنهاك الاقتصادي، ما يجعل أي حدث استثنائي – كاغتيال بارز أو مجزرة واسعة – كفيلاً بكسر حالة السكون وفتح الباب أمام انتفاضة جديدة.
ويأتي هذا الإصدار في سياق جهود مركز الدراسات السياسية والتنموية لمتابعة التحولات الاستراتيجية في فلسطين والمنطقة، وتقديم أوراق تحليلية معمّقة تدعم صانعي القرار والباحثين والإعلاميين في فهم المشهد ورسم السياسات.
