في غزة، لم تعد النظافة جزءًا من الروتين اليومي، بل تحوّلت إلى رفاهية بعيدة المنال تحت الحصار الخانق، فقد أصبحت أبسط أدوات التنظيف "كالصابون، والشامبو، ومعجون الأسنان" أحلامًا مؤجلة، تُباع بأسعار خيالية، أو تغيب عن الأرفف تمامًا.
الحرب المستمرة، وإغلاق المعابر، ومنع إدخال البضائع الأساسية، جعلت من "النظافة" تحدٍ يومي، لم تعد الأولوية للرفاه، بل للنجاة، حتى بات الغزيون يغسلون بقايا ملابسهم بالماء فقط، أو يستخدمون "الرماد" بديلاً عن المنظفات.
في خيمة صغيرة في غرب غزة، تعيش منال الغليظ مع عائلتها وتقول، "لم أعد أستطيع تأمين أبسط ما يحتاجه أطفالي للنظافة، حتى ليفة الاستحمام لم نعد نملكها، كل ما نفعله هو غسلهم بالماء المالح عندما يتوفر، لكن دون صابون أو شامبو."
وتضيف في حديثها لوكالة "صفا"، "آبني الصغير يصرخ من الحكة طوال الليل، ولا دواء لدينا، ولا مستحضرات ترطيب تخفف آلامه".
وتتابع: "في الماضي كنا نحلم أن نوفر لهم ألعابًا أو ملابس جديدة، أما اليوم فأكبر أحلامي قطعة صابون أو كريم جلدي".
العشرينية مها ع. تقول: "شعري متسخ دائمًا والقشرة تملأه ولا أستطيع غسله جيدًا، لا شامبو ولا ماء كافٍ، هذه معاناتي ورفيقاتي في مخيم النزوح".
وتضيف في حديثها لوكالة "صفا"، "حلم الاستحمام أصبح يراود الجميع الصغير والكبير، لا يقتصر الأمر على صابون الاستحمام والشامبو بل يطال أيضا الماء وصابون الجلي والغسيل، حتى باتت الثياب متسخة".
وتتابع: "لم أكن أتخيل أنني سأكبر وأنا أحلم بشيء بسيط يعتبره الآخرون أمرًا عاديًا".
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إلى صورة قاتمة، حيث أن أكثر من نصف شبكات المياه والصرف الصحي في القطاع دُمرت أو تعطلت كليًا، لتتراجع قدرة الإنتاج إلى أقل من 5% مما كانت عليه قبل الحرب.
كما أن ثلث سكان غزة، لا يحصلون حتى على الحد الأدنى الطارئ (15 لترًا للفرد يوميًا) للشرب والطهي والنظافة، وفقط 10% من السكان يتمكنون من الوصول إلى مياه صالحة للشرب والاستخدام، فيما يبقى 1.8 مليون شخص بحاجة ماسة إلى خدمات المياه والنظافة والصحة.
وتم توثيق أكثر من 150 ألف إصابة جلدية منذ بدء العدوان، بينها: 96,417 حالة قمل وجرب، 60,130 حالة طفح جلدي، 9,274 إصابة بالجدري المائي.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية، حيث لا تقتصر الأزمة على العطش بل تمتد إلى انهيار معايير الصحة العامة.
