غزة - خاص صفا
بروبوتات مفخخة تحمل موادًا شديدة الانفجار يصل وزنها إلى نحو 5 أطنان، حوّل جيش الاحتلال الإسرائيلي منازل المواطنين ومربعات سكنية بأكملها في مدينة غزة إلى كومة ركام، مع استمرار عدوانه على المدينة، ولا سيما منطقتي جباليا البلد والنزلة وأبو اسكندر، وحيي الزيتون والصبرة.
ومنذ اجتياحه لتلك المناطق، كثّف جيش الاحتلال من استخدام الروبوتات المفخخة في تدمير المربعات السكنية والبنية التحتية، لإلحاق أكبر قدر من الخسائر والدمار.
وهذه الروبوتات هي ناقلات جند عسكرية إسرائيلية قديمة أمريكية الصنع من طراز "إم 113"، يجري تحميلها بأطنان من المواد المتفجرة وتسييرها عن بُعد وسط الأحياء المدنية، بحيث يوجّهها جيش الاحتلال لتنفجر في مواقع مختارة بعناية، لإحداث أقصى قدر ممكن من الدمار.
ويتعمّد جيش الاحتلال تفجير معظمها في ساعات متأخرة من الليل أو في الفجر، لبث الرعب والفزع في قلوب المواطنين، ودفعهم قسرًا إلى النزوح، كونها تحدث أصواتًا مدوية تهز أرجاء مدينة غزة.
ولأول مرة، استخدم الاحتلال تلك الروبوتات خلال اجتياحه مخيم جباليا شمالي القطاع في مايو/ أيار، وأكتوبر/ تشرين الأول 2024، قبل أن يتوسّع نطاق استخدامها ليشمل مختلف مناطق القطاع.
وأظهرت تقارير ميدانية أن الاحتلال دمّر أكثر من 85% من منازل المواطنين والبنى التحتية في منطقتي الشجاعية والتفاح، ودمّر 70% في مناطق الزيتون والصبرة وجباليا النزلة والبلد، عوضًا عن دمار واسع أحدثه في شمال القطاع في بيت حانون وبيت لاهيا.
وحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فإن جيش الاحتلال يدمر يوميًّا في مدينة غزة وبلدة جباليا نحو 300 وحدة سكنية كليًّا أو جزئيًّا، باستخدام نحو 15 عربة مفخخة تحمل بما يقارب 100 طن من المتفجرات.
وبيّن أن دوي الانفجارات الناجمة عن تفجير العربات المفخخة يصل في كثير من الأحيان إلى مسافات بعيدة تتجاوز مساحة قطاع غزة بأكمله، حيث يُسمع على نطاق يزيد عن 40 كم من مركز الانفجار، ما يعكس التدمير الواسع الذي يخلّفه هذا النوع من الأسلحة التي تستخدمها "إسرائيل" لمحو المدن في القطاع.
أداة قتل
مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة يقول إن الاحتلال يستخدم الروبوتات المفخخة كأداة قتل وهدم عن بُعد، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الدمار دون تعريض جنوده للخطر، وضمن سياسة "التدمير الممنهج" للبنية السكنية.
ويرى الثوابتة في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن هذه الممارسات تشكل عقابًا جماعيًا للسكان، وجزءًا من استراتيجية الإبادة المادية والحضارية التي ينتهجها الاحتلال في قطاع غزة.
وبشير إلى أنها تندرج ضمن جرائم الحرب وجريمة الإبادة الجماعية وفقًا لنظام روما الأساسي واتفاقيات جنيف.
وفق التقارير الميدانية الأولية، دمّر الاحتلال آلاف الوحدات السكنية في مدينة غزة وشمالها، خاصة في أحياء الزيتون والصبرة والشجاعية والتفاح وجباليا البلد والنزلة، بشكل كامل أو جزئي، ضمن عمليات مسح عمراني تستهدف محو أحياء سكنية بكاملها.
ويوضح أن هذا التدمير واسع النطاق يعكس نية مبيتة لإحداث تغيير ديمغرافي، ويشكّل انتهاكًا جسيمًا للمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات الخاصة، وأن هذه الجرائم ترتكب في إطار استغلال العمليات العسكرية لتحقيق أهداف تهجير قسري ممنهج.
وحسب المكتب الإعلامي، قتّل الاحتلال منذ بدء عدوانه على مدينة غزة 1100 مواطن وأصاب 6008 آخرين، كما فجّر أكثر من 100 روبوت مفخخ بين الشوارع والأزقة المأهولة بالسكان، فضلًا عن تنفيذ أكثر من 70 عملية قصف مباشر بالطائرات الحربية المقاتلة.
ويضيف الثوابتة أن ما يحدث في جباليا البلد والنزلة هو جريمة العصر بكل المقاييس، إذ يقوم الاحتلال بتدمير ما تبقى من منازل المواطنين على نحو متعمد، دون أي مبرر عسكري، في إطار سياسة "التدمير من أجل التدمير".
ويبين أن هذه الجرائم تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، واستهدافًا مباشرًا للوجود المدني والحضري، وتهدف إلى محو المجتمعات الفلسطينية من أماكنها التاريخية، وهو ما يرقى لجريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية.
مرحلة متقدمة
ويصف الثوابتة الوضع الإنساني في مدينة غزة بأنه كارثي بكل المقاييس، حيث يعيش السكان تحت قصف متواصل، وانعدام شبه كامل للغذاء وتجويع وانعدام شبه كامل المياه والدواء، مع انهيار كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
ووفقًا للثوابتة، فإن عمليات النزوح المستمرة أجبرت عشرات الآلاف على التجمع في مناطق ضيقة غربي المدينة، وسط أوضاع صحية وبيئية خطيرة للغاية، وانتشار الأمراض المعدية، وانعدام الخصوصية، وغياب المأوى الآمن، ما يضاعف المعاناة ويهدد حياة المدنيين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن.
والاجتياح الكامل لمدينة غزة، كما يحذر الثوابتة، يعني ارتكاب الاحتلال مرحلة متقدمة من سياسة الأرض المحروقة، إذ يتم استهداف كل ما هو قائم من بنى سكنية وخدمية وبشرية.
ويؤكد أن تداعيات ذلك على السكان ستكون كارثية، إذ سيؤدي إلى تشريد جماعي واسع النطاق، وانقطاع شبه كامل لأي إمدادات إنسانية، وارتفاع كبير في أعداد الضحايا، مع فقدان ما تبقى من المرافق الطبية والملاجئ، ما يهدد بوقوع مجاعة وانهيار شامل للحياة المدنية.
ويشدد على أن المطلوب هو الصمود والبقاء في غزة والشمال وعدم النزوح للجنوب، لأن النزوح في ظل هذه الظروف يعني التهجير القسري بلا عودة، وهو ما يسعى الاحتلال لتحقيقه علنًا من خلال تصريحات وزرائه ومسؤوليه.
ويطالب الثوابتة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بتوفير الحماية الفعلية للسكان، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، وفرض المساءلة على الاحتلال لوقف هذه الجريمة، مع تعزيز صمود الأهالي عبر الإمدادات الإغاثية والمساندة السياسية والقانونية.
ر ش
