غزة- مدلين خلة - صفا
رغم تصاعد الهجمة الإسرائيلية على محافظتي غزة والشمال، والدمار الهائل الذي حلّ بالمنازل والبنية التحتية، إلا أن المواطنين يتمسكون بأرضهم، متحدين سياسة التهجير القسري والتطهير العرقي التي يُخطط الاحتلال لتنفيذها بحقهم، تحت شعار "هنا سنبقى ولن نرحل".
ولم تأبه العائلات الغزية لتهديدات الاحتلال وأوامر النزوح نحو جنوبي القطاع، رغم اشتداد القصف الإسرائيلي وعمليات نسف المنازل في مدينة غزة وشمالها، والأوضاع الإنسانية المأساوية التي يعيشونها، في ظل تفاقم المجاعة.
وبينما اضطرت بعض العائلات إلى النزوح جنوبًا، إلا أنها سرعان ما عادت إلى مدينة غزة، بعدما وجدت أن المخاطر لا تقل عن شمالي القطاع، وأن ما يزعم الاحتلال بأن الجنوب "منطقة إنسانية" ما هو إلا مجرد "وهم وخدعة".
البقاء تحت القصف
وفي أحد الأزقة المدمرة، تجلس أم محمد معروف على باب خيمتها في منطقة الكرامة شمال غربي مدينة غزة، بعدما عادت وأبنائها من نزوح كانت قد ركبت أمواجها نحو مدينة دير البلح وسط القطاع.
تقول معروف لوكالة "صفا": "عندما بدأ جيش الاحتلال بتنفيذ خطته لاحتلال غزة وبدأت العملية العسكرية على جباليا النزلة ومنطقة أبو اسكندر، أُجبرنا على مغادرة المدينة إلى الجنوب، بحثًا عن أمان فقدناه لأطفالنا".
وتضيف "مشينا ساعات طويلة تحت أصوات القصف، نحاول النجاة، حملت أصغر أطفالي على ذراعي، وزوجي كان يجرّ عربة صغيرة وضعنا عليها بعض الأغطية والملابس كنا نشعر أن الموت يلاحقنا في الطريق".
وتتابع "لم يكن ما عشناه رحلة وتنتهي، لقد كان اقتلاع للروح من الجسد، كان أصعب من احتمال البقاء تحت القصف".
وتكمل حديثها "خلال طريق نزوحنا جنوبًا لم يكن الأمر سهلًا، لقد كانت الطريق مزدحمة بعائلات ونساء يصرخن، أطفال يبكون، وجثث متناثرة على جوانب الطريق لم نكن نعرف إن كنا سنصل أم سنُقصف قبل أن نخطو خطوة جديدة".
ولم تكن نهاية المأساة، فقد كانت ذروة وجعها عندما وصلت العائلة إلى دير البلح، ولم تجد مأوى في مراكز الإيواء التي اكتظت بالنازحين، ولا مكانًا يفترشوا فيه أرضًا في المخيمات.
تقول معروف: "نمنا أول ليلة على الرصيف، وسط عشرات العائلات لم يكن هناك ماء للشرب ولا حمامات ولا طعام أطفالي بكوا من الجوع والعطش، وأنا لم أستطع أن أفعل لهم شيئًا حينها أدركت أن هذا ليس ملجأ، بل عذاب آخر".
وبعد أيام من المعاناة في دير البلح، اتخذت العائلة قرارًا صعبًا بالعودة إلى غزة، تقول: "عدنا رغم القصف، لأننا لم نجد مكانًا نعيش فيه بالجنوب، لكن على الأقل في غزة نستطيع البقاء مع أقاربنا قرب بيوتنا التي تركناها وربما تدمر".
وتردف "لم نعد نبحث عن الأمان، فقد فقدناه منذ زمن، ما نبحث عنه اليوم هو مكان نعيش فيه بكرامة، حتى لو كان بين الركام وتحت القصف، سنبقى هنا على ناصية جباليا ننظر إليها بألم وأمل نهاية هذا الكابوس".
انتماء وكرامة
ولم يكن الحال مختلفًا لدى عائلة الحاج نعيم الزين التي حزّمت أمتعتها وتوجهت ناحية الأطراف الجنوبية لبلدة الزوايدة وسط القطاع، بعدما سقطت قذيفة مدفعية على رؤوسهم في منزلهم قرب دوار أبو شرخ شمال غزة.
يقول الزين لوكالة "صفا": "في منطقة الزوايدة كنا ننام فوق بعضنا البعض داخل خيمة لا تتجاوز ثلاثة أمتار، لم نستطيع التنفس من شدة الاكتظاظ".
وتضيف "عشرات العائلات حولنا كانت تتشاجر يوميًا على دور في استخدام الحمام المشترك، أو على زجاجة ماء للشرب شعرت أنني فقدت إنسانيتي هناك".
"كنت أقول لنفسي: إذا كنا سنموت، فلنمُت في بيتنا، وليس في خيمة خانقة بعيدًا عن أرضنا".
ويتابع "قررنا العودة إلى مدينة غزة، وهو قرار لم يكن اندفاعيًا، بل جاء بعد تجربة قاسية في الجنوب، حيث مكثنا في وسط القطاع أيامًا قليلة لم أتحمل خلالها رؤية ابني الصغير ينام على أرض موحلة".
ويردف الزين "هنا في غزة، حتى لو بيتنا مدمر، نحن على الأقل قريبون من جيراننا وأرضنا.. أشعر أن لي مكانًا، وليس مجرد رقم في طابور المياه".
لم يجد العائدون إلى غزة مأوىً صالحًا، ولا ماءً ولا كهرباء، لكنهم وجدوا في العودة معنى الكرامة والانتماء، كثير منهم ينامون في الخيام، أو يبنون غرفًا مؤقتة من ألواح "الزينكو"، رافضين الإقامة الطويلة في مراكز الإيواء أو الجنوب المجهول.
ر ش
