تتعرض قرية المغيّر شمال شرقي مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، منذ 4 أيام، إلى حملة عسكرية إسرائيلية مفاجئة وعنيفة، اقتلعت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلالها مئات أشجار الزيتون المثمرة، ودمّرت مئات الدونمات من الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية، وفرض حصار مشدد وحظر دخول وخروج الأهالي.
وأعادت مشاهد التجريف والتدمير واقتلاع أشجار الزيتون المثمرة، التي وثّقها جنود الاحتلال عبر تسجيلات مصورة للجرافات، إلى الأذهان ما يشهده قطاع غزة ومخيمات شمال الضفة الغربية من تدمير واسع، في إطار سياسة الأرض المحروقة التي يراها مختصون محاولة لفرض واقع جديد عبر تدمير معالم الحياة الفلسطينية.
عين الاحتلال على قرية المغير ليست جديدة، بل هي هدف دائم للاحتلال ومشاريع الاستيطان منذ سنوات طويلة، لكن وتيرة الاستهداف تصاعدت بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة.
وكان قد أكد رئيس مجلس قروي المغير، أمين أبو عليا، قبيل اعتقاله أمس السبت أن القرية تتعرض لحملة عسكرية كبيرة وغير مسبوقة قد تمتد لتطال العديد من مدن وقرى الضفة الغربية، وكانت البداية في المغير.
وأوضح أبو عليا أن الاحتلال شن حملة تجريف واسعة، طالت مئات الدونمات واقتلعت آلاف أشجار الزيتون المثمرة، وشملت الحملة أيضًا تفتيشًا واقتحامًا لمعظم البيوت، مع ممارسات استفزازية بحق السكان، تضمنت إساءة للنساء، كما فرض الاحتلال حصارًا مشددًا، منع من خلاله حركة التنقل ومنع دخول طواقم الدفاع المدني والإسعاف.
بالإضافة إلى ذلك، أغلق الاحتلال المخبز والصيدلية، وحجز مئات المواطنين خارج القرية، وأفاد أبو عليا، أن عمليات اقتلاع أشجار الزيتون استمرت على مدار الساعة خلال ثلاثة أيام، مستهدفة أشجارًا مثمرة يعود عمرها إلى أكثر من 100 عام.
وأشار إلى أن الاحتلال أعلن وضع اليد على 267 دونمًا لأغراض عسكرية، في حملة تؤثر على نحو 4000 نسمة في القرية، مع منع وصول السكان إلى هذه الأراضي منذ اندلاع الحرب على غزة.
ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2023، سجلت القرية 6 شهداء و250 مصابًا، إضافة إلى تدمير آلاف الأشجار وسرقة المواشي، بحسب أبو عليا.
وكان يعتمد نحو 80% من سكان القرية التي كانت تمتد على مساحة 43 ألف دونم يعتمدون على الزراعة والثروة الحيوانية قبل عمليات القضم والمصادرة المستمرة لأراضيها، لكن اليوم تقلص هذا العدد إلى أقل من 30%، إذ أصبحت القرية محاطة بـ9 بؤر استيطانية، وتحولت إلى جزيرة لا يتجاوز مساحة أراضيها 950 دونمًا.
واستذكر أبو عليا ما حدث في قرية المغير 14 أبريل/ نيسان من العام الماضي، حيث اقتحم حوالي 1500 مستوطن القرية بحماية جيش الاحتلال، وأحرقوا أكثر من 40 منزلًا ومركبة، محاصرين عشرات المواطنين داخل منازلهم، وأطلقوا الرصاص الحي، ما أدى إلى استشهاد شابين وإصابة آخرين.
نموذج التصعيد والسيطرة
من جانبه، يرى مدير دائرة الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا، أن ما يجري في قرية المغير هو نموذج مصغر لما يخطط له الاحتلال في مختلف مناطق الضفة الغربية، بهدف كسر أشكال المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان.
وقال الخواجا في حديث إن المغير كانت لها دور بارز في التصدي لسياسات الاحتلال العدوانية وجرائم المستوطنين، كونها البوابة الشرقية لمدينة رام الله، ومحطة رئيسية لمواجهة هذه الجرائم كجزء من السياسة العدوانية الشاملة التي تُمارس ضد الشعب الفلسطيني.
وأضاف أن الهجمة على المغير تعكس موجة شرسة جديدة لمحاولة كسر نموذج كفاحي من خلال اعتقالات عنيفة، واعتداءات على الأطفال، وحرق مركبات المواطنين.
وأشار الخواجا إلى أن القرية تواجه اليوم سياسة الأرض المحروقة، التي تشبه ما يجري في قطاع غزة والمخيمات الفلسطينية بالضفة، والتي لا تهدف فقط إلى السيطرة على الأراضي، بل إلى منع الفلسطينيين من الاستفادة من مواردهم الطبيعية.
وأكد أن الهدف النهائي للاحتلال هو تحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى "كانتونات" ومعازل، في إطار مخطط عسكري لتحويل الضفة الغربية إلى 176 كانتونًا منفصلاً.
ولفت إلى أن مستوطنين هددوا أهالي المغير بالقتل والتدمير عبر مكالمات هاتفية، وتداولوا صورًا تطالب بمحو القرية، فيما نشر جنود الاحتلال تسجيلات مصورة لعمليات اقتلاع الأشجار داخل القرية.
إحكام السيطرة
أما المختص في الشأن الإسرائيلي، ياسر مناع، أشار إلى تصاعد التحريض ضد مناطق مثل المغير وترمسعيا وأبو فلاح، نتيجة وجود مشاريع استيطانية تهدف إلى إحكام السيطرة على هذه المناطق وزرع بؤر استيطانية جديدة.
وقال إن المزاج العام في "إسرائيل" تغيّر بعد 7 أكتوبر، حيث أصبحت الدعوات للعنف والإبادة أكثر وضوحًا، سواء عبر المنصات الرسمية أو وسائل التواصل الاجتماعي.
وأردف أن ما يحدث في المغير والضفة الغربية يعكس انتقال "إسرائيل" من سياسة "العصا والجزرة" إلى سياسة "العصا" فقط، أي تكثيف القوة في مناطق تعتبر نقاط احتكاك دائم، مثل المغير.
واعتبر مناع أن المغير تعد جزءًا من مشاريع استيطانية، والاحتلال يستغل كل حدث لقمع السكان وتثبيت واقع استيطاني جديد من خلال السيطرة على الأراضي واقتلاع الأشجار.
كما أشار إلى التناغم الواضح بين المستوطنين والجيش، معتبرًا أن المستوطنين هم اليد الخلفية للجيش، وأن هذه السياسة ليست جديدة لكنها ازدادت كثافة وزخمًا، في إطار رؤية السيطرة الكاملة على الضفة الغربية.
