"حسن" لن يجوع بعد اليوم، ولن يخرج للعالم طارقًا حلته الفارغة طالبًا الطعام بشدة، ولن يدق ناقوس المجاعة، ولن يبيت في حضن أمه، بعد أن شقت قذيفة إسرائيلية رأسه، وأسكتت صوته.
الطفل حسن العربشلي "12" ربيعًا اختتموا بشهادة فريدة، لا تبدو إلا كتلك التي ينالها المجاهدين في الحياة، بعدما تحمل مسؤولية أمه، سارحًا فجر كل يوم يُدبر حطبًا لتُعد لهم الطعام.
واشتُهر حسن بمقطع فيديو ظهر فيه وهو يطرق طبقه الفارغ من شدة الجوع، نتيجة المجاعة التي يواجهها قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي.
وظهر حسن في الفيديو يخاطب العالم قائلًا "بدنا ناكل ياعالم، الملاعق والصحون فاضيين، افتحوا المعابر".
واليوم تنتهي مأساة "حسن الشاطر، آخر العنقود"، الذي كبُر قبل أوانه من حرب الإبادة والمجاعة المستمرة منذ عامين.
طرقها ورحل جائعًا
"لم تستوعب الصدمة، وفي كل حين تضرب على الأرض وتصفق قهرًا عليه، وتصرخ مبكية كل من حولها"، حال والدة حسن منذ لحظة فقده.
وارتقى حسن بقذيفة إسرائيلية الليلة الماضية قرب مدينة حمد شمالي محافظة خانيونس جنوبي قطاع غزة، ليعثر عليه ذويه ملقى مقطوع الرأس على قارع الطريق.
تقول خالته "أم يامن" لوكالة "صفا"، "كل يوم يخرج حسن ليجمع الحطب من الطرقات ليساعد أمه في الطبخ، مع أنها تحاول منعه من شدة خوفه عليها لكن قلبه لا يطاوعه".
وتروي عن استشهاده "ذهب قبل يوم وعاد، ولكن أمس فقدناه، بحثنا عنه في كل مكان حتى جاء الليل وكان قصف بالمدفعية قرب حمد لم ينقطع".
"انتظرنا حتى الفجر، وعلى طريق حمد وجدوا حسن مستشهد ورأسه مقطوع بقذيفة دبابة، وبجانبه شاب أيضًا شهيد".
رحل حسن اليتيم، الذي تحمل مسؤولية إخوته بعد وفاة والده بالمرض قبيل حرب الإبادة على غزة، ومع إصابة شقيقه برصاص الاحتلال، ومرض شقيق آخر له.
بل إنه مرّ بأشد مراحل المجاعة بغزة، وكما تقول خالته "طول فترة المجاعة كان ينام هو واخوته جائعين، خيمتهم قبال خيمتنا وكل أولادنا جوعى".
ورغم هذا "حسن تحمل الكثير وهو من يعبىء الماء ويحضر الحطب لأهله كل يوم، وظل متعبًا حتى استشهد".
صدمة الفقد وأمنية حسن
وعن والدته التي لم تستوعب صدمتها، تقول الخالة "أختي صارت تجري في الشارع وتنادي على حسن، فهي لم تتصور فقدان أغلى من عندها، فحسن كل ليلة ينام في حضنها".
وقبل استشهاده بيومين طلب حسن من والدته إعداد حلوى "الغرَيْبة"، وهو ما كان له.
تقول خالته "وكأنه كان يودع، تحلى ورحل، ولكنه طلب أن تشتري له دجاجة كاملة حينما يسمح الاحتلال بدخول اللحوم".
وفي لحظات الوداع ومن بشاعة الجريمة لم يُسمح لوالدة حسن رؤية وجهه، فقبلت قدميه وانهارت وهي ترجوا ألا يرحل.
وتعيش أسرة حسن في خيمة قرب مدينة أصداء شمالي خانيونس جنوبي قطاع غزة، منذر بدء حرب الإبادة بعد هدم منزلها غربي المدينة.
ومنذ أكتوبر للعام 2023 ترتكب "إسرائيل" بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية وجريمة تجويع، أدت لاستشهاد ما يزيد عن 61 ألف شهيد، بالإضافة لما يزيد عن 145 ألف إصابة، وما يزيد عن 14 ألف مفقود تحت الأنقاض.
