قال مركز الدراسات السياسية والتنموية، إن الرئيس محمود عباس، أعلن في يونيو 2025 عن نيته الدعوة لإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإحياء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتحريك الجمود الذي أصاب النظام السياسي الفلسطيني في السنوات الأخيرة؛ لكن هذه المبادرة جاءت في ظل ظروف وطنية وإقليمية استثنائية، مع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأضاف المركز، في بيان وصل وكالة "صفا"، أنه رغم ما رُوج له من شعارات تعكس الرغبة في إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وتوسيع قاعدة التمثيل، فإن هذه الدعوة قوبلت برفض واسع من قوى رئيسية، مثل: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وأشار المركز إلى أن الجبهة اعتبرت الدعوة خطوة أحادية تقوض التوافق الوطني، وتمثل تجاوزًا للاتفاقات السابقة، وتعيد إنتاج الإقصاء السياسي، خصوصًا في ظل غياب ضمانات وطنية حقيقية تضمن مشاركة فعالة وشاملة لكل مكونات الشعب الفلسطيني، بما في ذلك أهل القدس المحاصرين وفلسطينيي الشتات.
خلفية سياسية وقانونية
وأصدر المركز ورقة تقدير موقف توضح أن المجلس الوطني الفلسطيني هو الهيئة التشريعية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي من المفترض أن تمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
وأوضحت الورقة أنه تأسس عام 1964، وتم تعديل عضويته مرات عدة، لكنه لم يشهد انتخابات ديمقراطية فعلية منذ نشأته، إذ غالبًا ما جرى تشكيله عبر التوافق أو التعيين، وبعد اتفاق أوسلو، تقلص دور المجلس لصالح السلطة الفلسطينية، وأصبح دوره رمزيًا في كثير من الأحيان.
ولفتت الورقة إلى أن هذا الوضع يعكس أزمة أعمق في منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، التي تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبلها وضرورة إصلاح بنيتها السياسية بما ينسجم مع متطلبات تمثيل فلسطيني عادل وشامل.
موقف عباس
وفقًا لتحليل مركز الدراسات السياسية والتنموية، طرح الرئيس عباس دعوة لإجراء الانتخابات بدون مشاورات وطنية موسعة، وضمن شروط سياسية أثارت جدلًا واسعًا، منها اشتراط الالتزام الكامل ببرنامج منظمة التحرير بصيغته الحالية، بما في ذلك الاتفاقيات السياسية الدولية، وتُعتبر هذه الشروط من قبل كثير من الفصائل محاولة لإعادة إنتاج أزمة الشرعية السياسية وتكريس نهج الإقصاء، إذ تتجاهل الخيارات السياسية الأخرى ولا تعكس مخرجات الحوارات الوطنية السابقة.
وتابعت: "كما يمكن قراءة هذه الخطوة كجهد لإعادة شرعنة قيادة السلطة الفلسطينية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة، وشرعية ميدانية متآكلة في الضفة الغربية وقطاع غزة".
مواقف الفصائل والقوى الفلسطينية
رفضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الدعوة بشكل قاطع، معتبرة أنها خطوة منفردة تفتقد إلى الشرعية الوطنية، مطالبة بحوار وطني شامل كأساس لأي انتخابات.
فيما لم تُصدر حركة حماس موقفًا رسميًا، لكن من المرجح رفضها المشاركة في ظل الظروف القاسية التي يمر بها قطاع غزة.
وأبدت الجبهة الديمقراطية وفصائل أخرى مواقف متباينة، ما بين دعوة للتوافق الوطني، ودعم مشروط، أو رفض التفرد.
ونوهت الورقة، إلى أن الشتات الفلسطيني يعاني من غياب آليات واضحة للمشاركة، وقلق من تهميش دوره في العملية السياسية.
تحديات إجراء الانتخابات
وذكرت الورقة أن العملية الانتخابية تواجه تحديات ضخمة على مستويات مختلفة، من بينها: "الحرب على غزة التي دمرت البنية التحتية وأعاقت إجراء انتخابات هناك، تهويد القدس وقمع النشطاء الذي يعيق المشاركة الفعلية، تضييقات السلطة الفلسطينية على الحريات في الضفة، صعوبات قانونية وسياسية في دول الشتات، استمرار الانقسام الفلسطيني وتآكل شرعية المؤسسات، غياب ضمانات وطنية ودولية لنزاهة العملية".
الأبعاد الإقليمية وضغوط "اليوم التالي"
وأكدت الورقة، أن الانتخابات ليست فقط استحقاقًا داخليًا ديمقراطيًا، بل تتداخل مع تحركات إقليمية ودولية لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما يخدم مصالح معينة، خاصة من خلال ربط المشاركة بقبول برنامج منظمة التحرير الحالي واستبعاد الفصائل المقاومة.
السيناريوهات المستقبلية
وقدم المركز ثلاثة سيناريوهات محتملة: "المضي قدمًا بشكل أحادي، مما قد يزيد الانقسام ويضعف الشرعية، تأجيل الانتخابات، ما يحافظ على الجمود السياسي، التوافق الوطني الشامل، لكنه يواجه صعوبات تنفيذية كبيرة".
التقدير العام والتوصيات
ورأى المركز، أن الانتخابات في ظل الظروف الراهنة قد تكون خطوة ناقصة أو مضرة، ما لم تُبنى على توافق وطني شامل، مع ضمان بيئة سياسية وميدانية ملائمة.
وأوصت الورقة بوقف المسار الأحادي فورًا، وإطلاق حوار وطني شامل بمشاركة كل الفصائل والشتات، وربط الانتخابات بمشروع وطني تحرري، بالإضافة إلى تهيئة البيئة السياسية والميدانية، وتشكيل لجنة وطنية توافقية مستقلة، وإعطاء أولوية لإصلاح منظمة التحرير.
ودعت الورقة، إلى إعادة التفكير في المسار بما يضمن الوحدة الوطنية والتمثيل العادل، بعيدًا عن التفرد والتجزئة.
