غزة - خاص صفا
رغم إعلان الاتحاد الأوروبي توصله إلى اتفاق مع "إسرائيل" لإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، إلى أنه لم يُترجم ذلك فعليًا على الأرض، بل بقيّ حبرًا على ورق، ما فاقم الكارثة الإنسانية وأزمة الجوع، التي يعاني منها 2.4 مليون فلسطيني في القطاع، باتوا يواجهون خطر الموت في كل لحظة.
لم يكن هذا الاتفاق سوى "مسرحية وإعلانًا مضللًا وكاذبًا"، يكشف مدى تواطؤ الاتحاد الأوروبي مع "إسرائيل" في تعميق الأزمة الإنسانية وجريمة التجويع والإبادة الجماعية المتواصلة على القطاع. وفق ما يرى فلسطينيون ومؤسسات حقوقية ومجتمعية
وتتفاقم المجاعة في القطاع، مع اشتداد الحصار، وإغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات لليوم الـ139، وسط غلاء فاحش في أسعار السلع، ولا سيما الطحين، مما يُهدد بتعرض المواطنين للموت، خاصة في ظل وصول أعداد غير مسبوقة من المجوّعين من كافة الأعمار إلى أقسام الطواريء في حالة إجهاد وإعياء شديدين.
ورغم مراجعة الاتحاد لاتفاقية الشراكة مع "إسرائيل" وتأكيده أن "تل أبيب" تنتهك حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أنه لم يفرض أي عقوبات عليها في اجتماع وزراء الخارجية الذي عُقد الثلاثاء الماضي في بروكسل.
وعقب الاجتماع، قالت ممثلة الاتحاد العليا للشؤون الخارجية والأمنية كايا كالاس: إن "الاتحاد سيراقب عن كثب مدى امتثال إسرائيل للخطوات التي وافقت عليها لتحسين الوضع الإنساني في غزة".
وأشارت إلى أن "الهدف ليس معاقبة إسرائيل، بل تحسين الوضع في غزة بشكل حقيقي".
وفي 15 يوليو/تموز الجاري، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل ليقرروا ما إذا كانوا سيعلّقون اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و" إسرائيل".
وعُرض على الدول الأعضاء 10 خيارات، من بينها "التعليق الكامل للاتفاقية، أو تعليق الاتحاد الأوروبي للركائز التفضيلية المتعلقة بالتجارة أو الأبحاث، أو فرض حظر على تصدير الأسلحة، أو فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين، أو وقف السفر دون تأشيرة لمواطني إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي، أو حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية".
ولم يحظ أيّ من هذه الخيارات بالدعم اللازم خلال اجتماع وزراء الخارجية.
منظمة العفو الدولية "أمنستي" وُصفت قرار الاتحاد الأوروبي عدم تعليق اتفاقية الشراكة المبرمة مع "إسرائيل" بأنه "خيانة قاسية وغير قانونية" لمبادئ الاتحاد الأوروبي ولحقوق الإنسان، خاصة في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
وأما المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن حقوق الانسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيز فقالت: إن الاتحاد الأوروبي ملزم قانونيًا بتعليق اتفاقية الشراكة مع "إسرائيل".
وأضافت أن الكثير من الأبحاث تشير الى أن الاتحاد الأوروبي لا يعد فقط أكبر شريك تجاري لـ "إسرائيل"، بل أكبر مستثمر فيه أيضًا، داعية الاتحاد لتعليف اتفاقية الشراكة مع الكيان
ويشمل الاتفاق بين الاتحاد الاوروبي والاحتلال الذي أِعلن عنه في العاشر من يوليو الجاري، إدخال مزيد من شاحنات الغذاء والاحتياجات اليومية إلى غزة، وإعادة فتح طرق المساعدات عبر الأردن ومصر، وتوزيع المواد الغذائية من خلال المخابز والمطابخ، واستئناف تسليم الوقود لتشغيل مرافق الإغاثة، وضمان حماية العاملين في مجال المساعدات، وإعادة تزويد محطة تحلية المياه بالكهرباء.
"كاذب ومضلل"
هذا الاتفاق الأوروبي، وصفه الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا بأنه "كاذب ومضلل"، حيث لم تدخل مساعدات تُذكر.
وقال القرا في مقالة له: إن "ما جرى ليس سوء تنسيق؛ بل خداع متعمّد وتواطؤ في جريمة التجويع، فالمجاعة في غزة قرار سياسي بغطاء دولي".
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي أعلن الأحد الماضي، عن توصّله إلى اتفاق لإدخال المساعدات لغزة، فعلِق الناس بالأمل، وامتنعوا عن شراء الطحين من السوق رغم الجوع القاسي، بانتظار ما وُصف بأنه انفراجة قريبة.
وأضاف أن عصابات الطحين التي خزّنت كميات ضخمة، اغتنمت الفرصة، وبدأت بطرح كميات محدودة في السوق بأسعار خيالية.
وتابع أن "تجّار كبار اشتروا الطحين من اللصوص، ونقلوه للمخابز والمطاعم، حيث يُباع لاحقًا على شكل معجنات وأطعمة لا يستطيع الفقير على ثمنها".
وأردف "بهذه المسرحية، قدّم الاتحاد الأوروبي خدمة للاحتلال، إذ خفّف الضغط الدولي عنه، وغطّى على استمرار المجاعة".
وحسب القرا، فإن "الاتحاد الاوروبي دخل في لعبة، بحثًا عن صك غفران من جريمة التجويع ي غزة، فأصبح مشاركًا رسميًا بها من خلال تراجعه عن فرض عقوبات على إسرائيل، مقابل وعد بإدخالها مساعدات لم تلتزم ولن تلتزم فيها".
والأربعاء الماضي، انتقد الممثل السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية جوزيب بوريل، وزراء خارجية التكتل لعجزهم عن اتخاذ أي خطوة لمحاسبة "إسرائيل" على انتهاكاتها لحقوق الإنسان في قطاع غزة.
وقال عن نتائج اجتماع الوزراء في بروكسل، بمنشور على منصة "إكس": إن "ذلك من شأنه أن يسمح باستمرار الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين بقطاع غزة دون هوادة".
واتهم بوريل الاتحاد الأوروبي بالفشل في اتخاذ قرار بشأن انتهاك "إسرائيل" للمادة المتعلقة بحقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة بينهما.
وأضاف "قررت أوروبا عدم معاقبة إسرائيل على جرائم الحرب المستمرة والسماح باستمرار الإبادة الجماعية في غزة دون هوادة".
وتؤيد إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل، بينما تعارض كل من ألمانيا والنمسا والتشيك والمجر.
تواطؤ وعجز
من جهتها، دعت منظمات المجتمع المدني في قطاع غزة الاتحاد الأوروبي للتوقف عن سياسة التغطية على جريمة التجويع التي تمارسها "إسرائيل" بحق أكثر من ٢ مليون مواطن في قطاع غزة.
وقالت المنظمات في بيان، إن المواقف الإعلامية للاتحاد الأوروبي ساهمت مؤخرًا، بتوفير مزيد من الغطاء للاحتلال لمواصلة جريمة التجويع بينما يتفلت من العقوبات الدولية المفترضة.
وأكدت أن المواطنين في القطاع يمرون حاليا بأسوأ مراحل المجاعة، وسنكون خلال ساعات قليلة مع مشاهد موت جماعي للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع وخاصة الأطفال والمرضى والنساء وكبار السن.
وحملت المنظمات الاتحاد الأوروبي المسؤولية عن التداعيات الناجمة عن مواقفه الأخيرة التي حملت الكثير من أساليب التمويه والمغالطات المقصودة.
ودعت المؤسسات الدولية لزيارة المعابر مع قطاع غزة ومعاينة عشرات آلاف أطنان المساعدات المكدسة والتي تتعرض للتلف بينما يرفض الاحتلال السماح بإدخالها.
وأما المكتب الإعلامي الحكومي بغزة فاتهم الاتحاد الأوروبي بأنه متواطئ سياسيًا وأخلاقيًا في جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها سلطات الاحتلال في القطاع.
وقال: "لقد تجاوز الاتحاد الأوروبي كل الخطوط الحمراء، وهو يشاهد 2.4 مليون من السكان المدنيين الفلسطينيين يُذبحون ويُجوّعون ويُهجّرون بلا رحمة، دون أن يفعّل آلية محاسبة واحدة، رغم أن سلطات الاحتلال تنتهك بوضوح المادة المتعلقة بحقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة الأوروبية".
وأضاف أن الاكتفاء بـ"المراقبة عن كثب" هو خيانة للقيم الإنسانية التي طالما تشدّق بها الأوروبيون، وغياب أي إجراء عقابي هو ضوء أخضر لاستمرار المجازر ضد السكان المدنيين بموافقة أوروبية صريحة.
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قال في بيان سابق، إن اكتفاء الاتحاد الأوروبي بـ"مراقبة التزام إسرائيل بالاتفاق الأخير لتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة عن كثب" يعكس غيابًا مدويًّا للإرادة السياسية في ممارسة أي ضغط فعلي.
وأكد أن الموقف الأوروبي يُغذّي الإبادة الجماعية في غزة ويكرّس الاحتلال غير القانوني للأرض الفلسطينية.
وأضاف أن "الموقف الأوروبي يجسّد تواطؤًا فعليًا مع إسرائيل، ويمنحها ضوءًا أخضر للاستمرار في استهداف المدنيين وتدمير مقومات بقائهم".
واعتبر الأورومتوسطي الترويج الأوروبي لإدخال المساعدات يرتقي إلى شراكة فعلية في هندسة التجويع، ويشكّل الوجه الآخر للدور الدموي الذي تؤديه مؤسسة "غزة الإنسانية".
وتابع أن "حصر الاتحاد الأوروبي مطالبه بإرسال صناديق الطعام إلى غزة رغم كل ما يجري فيها من أهوال يُمثّل خيانة صريحة للإنسانية بأكملها".
ر ش
