غزة- مدلين خلة - صفا
على باب خيمته في دير البلح وسط قطاع غزة، يجلس الطفل أيهم أبو ناصر يعبث برمال تموز، يحفر في حرارتها خندقًا يدفن فيه آلامه وأوجاعه التي تراكمت مع تركهم مخيم جباليا واكتنافهم خيمة تلسع حرارتها قلبه.
لا يعي أيهم (14 عامًا) ما يدور حوله، ولا يستطيع التعبير عمّا يشعر به تتوه عيناه في دائرة مغلقة هربا من ذلك الواقع الذي فرض عليه.
ويعاني من إعاقة ذهنية منذ ولادته، لم تكن حياته قبل اشتعال فتيل الحرب الإسرائيلية تشبه ما يعانيه اليوم، فقد كان يعيش حياة بسيطة مستقرة في منزله بمخيم جباليا شمالي القطاع.
قبل الحرب كان يرتاد أيهم مركزًا متخصصًا بذوي الإعاقة، يحظى فيه بالرعاية والاهتمام.
معاناة النزوح
تقول والدته انتصار أبو ناصر لوكالة "صفا": "كان أيهم مرتاح.. صحيح ما بيحكي، بس كان مبسوط، في ناس تهتم فيه، والمركز ساعدنا كثير، في توفير الحفاضات الخاصة به، وحتى طعامه كنا نقدر نوفره بمساعدتهم".
وتضيف "لكن مع دخول الحرب كل شيء انهار، دُمر المنزل، وتشتت العائلة، واضطررنا للنزوح جنوبًا إلى دير البلح، لا يدرك أيهم معنى الحرب أو النزوح، كان يسير بجسد منهك وقلب خائف، لا يفهم لماذا ترك سريره، أو أين اختفى أصدقاؤه في المركز، أو لماذا لا يعودون".
وتتابع "طوال فترة سيرنا بعد تعثر حصولنا على وسيلة نقل، استمر أيهم بالبكاء والصراخ ليتعثر فجأة، ويدخل في نوبة كان يجب أن أتوقف لأحمله، رغم وجود طفلين آخرين، إلا أنه كان يحتاج إلى رعاية بشكل أكبر منهما".
وتردف "ما في مركز يهتم فيه، ولا حد حتى يطّمن عليه.. ضاع أيهم، كأنه انمسح من الوجود".
ويعاني أيهم أيضًا، من سوء تغذية حاد، تقول والدته: "نحن نعيش على وجبة واحدة بالكاد تكفي، لكن أيهم لا يفهم معنى ما عنا أكل، يطلب الطعام باستمرار، يبكي عندما لا يجده، ويدخل في نوبات من الغضب تجعله يضرب نفسه أو إخوته".
وضع صعب
وما يزيد معاناة أيهم صوت القصف المستمر ليل نهار، "كل ما يصير قصف، بيصرخ فجأة، وبركض، ويمكن يقع ويتأذى، حتى بالليل ما بنام، بخاف، وأنا ما عندي وسيلة أطمّنه". وفق والدته
ويواجه ذوو الإعاقة أوضاعًا إنسانية مأساوية، ونقصًا حادًا في الغذاء والمكملات الغذائية والفيتامينات والبروتينات مع استمرار حرب الإبادة، ونقص الإمكانيات.
وتضيف والدة أيهم "منذ بداية الحرب ونزوحنا الى دير البلح لم تتواصل معنا أي مؤسسة بما يخص أيهم، ما اضطرني إلى التواصل مع مؤسسات، بس قالوا الوضع صعب وما في إمكانيات، كل يوم بيمر على أيهم بينحرم من شيء جديد، حتى أبسط حقوقه"
وتعبر عن أبسط أمنياتها بالقول: "نفسي حد يهتم فيه، يجيب له حفاضات، أكل، حتى لعبة تفرّحه، هو ما بيعرف يحكي، بس والله قلبه بيوجع أكتر من ألف حكي".
ويعاني أهالي قطاع غزة من مجاعة حقيقية، جراء إغلاق المعابر وتشديد "إسرائيل" حصارها على القطاع منذ بداية مارس/آذار الماضي، ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود وانعدام المساعدات وصعوبة الوصول إلى الطعام.
وحسب شبكة المنظمات الأهلية بقطاع غزة، فإن العدوان على غزة تسبب بارتفاع غير مسبوق في أعداد ذوي الإعاقة، وأُضيف نحو 32 ألف شخص إلى القائمة، بزيادة تقدَّر بـ 52% مقارنة بالأعداد المسجّلة قبل الحرب، والتي بلغت 58 ألف حالة.
ومع اتساع رقعة الحرب والنزوح، توقفت غالبية المؤسسات والمراكز التأهيلية عن العمل، وحُرم الأطفال من ذوي الإعاقة من أبسط حقوقهم في الغذاء، والنظافة، والعلاج، والرعاية النفسية.
ر ش
