غزة- مدلين خلة - صفا
"يا رب ما يصير إلهم شي وأنا مش معهم"، دعاءٌ دائمًا ما كان يُكرره الحكيم في مستشفى شهداء الأقصى حسام فرج، خوفًا من وجود عائلته ضمن عداد الشهداء والمصابين، وهو على رأس عمله.
خوفٌ يعتلي قلبه من أن يُفجع باستشهاد أبنائه وزوجته ويبقى وحيدًا دونهم، لم تكن دعواته تخرج هباءً لتحدث الفاجعة بعد عودته من عمله وأمام ناظريه.
"واحد يا رب.. خليلي واحد عايش يا رب.. يا دكتور، يا عالم، أولادي الثلاثة.. إلحقوني!".. بهذه الصرخات أعلن الحكيم حسام استشهاد أبنائه الثلاثة، رزق، محمد ومعن، فيما أصيبت ابنته ليان وزوجته، إثر صاروخٍ أطلقته طائرة مسيّرة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في النصيرات.
وجع وحسرة
لم تسعفه خبرته في إنقاذ حياة آلاف الجرحى والفوز بحياتهم من وسط الموت، ليقف عاجزًا أمام أطفاله الثلاثة ويُعلن ارتقائهم شهداء.
يقول فرج لوكالة "صفا": "كنت دائمًا أردد يا رب ما يصير فيهم شي وأنا مش عندهم، لكن شاء القدر أن أكون داخل الخيمة، عندما طلبت مني زوجتي إشعال موقد النار لإعداد الطعام للأطفال".
ويضيف "كنت عائدًا من مناوبتي التي استمرت 24 ساعة، جلست أرضًا أمام الموقد، حتى تفاجئنا بغبار كثيف وركام وشظايا تتساقط فوق رؤوسنا".
ويتابع والألم يعتصر قلبه، "أدرت رأسي فرأيت ليان مضرجة بدمائها تصرخ: يابا، إخواتي! محمد أصيب بشظية في رأسه واستُشهد على الفور، رزق ومعن كانا لا يزالان يتنفّسان، قمت بحمل رزق، بينما تبعني شقيقي حاملًا معن".
"استقلينا سيارة مدنية ولم ننتظر وصول الإسعاف، وفي منتصف الطريق إلى مستشفى العودة رأينا سيارة إسعاف متجهة إلى موقع الحادث نزلنا من السيارة المدنية وركبنا الإسعاف وهرولنا سريعًا تجاه المشفى".
ويكمل حديثه "ما إن توقفت سيارة الإسعاف أمام بوابة المشفى، رفعت رأسي ناحية السماء وما زلت أحتضن معن، ودعوت بقلب مفطور، واحد يا رب.. خليلي واحد عايش يا رب، وكنت قد تأكدت من استشهاد رزق بسيارة الإسعاف".
معاناة لم تنتهي
لم تكن فاجعة الأب هينة، فهو الذي لم تُسعفه سنوات عمله من أجل إنقاذ فلذات كبده، ليستشهد محمد على الفور بعدما اخترقت شظية رأسه.
أما ابنه معن فقد حارب لإنقاذه مع الطواقم الطبية، لكن شظية اخترقت قلبه وقتلت نبضه أمام ناظريه.
لم تنتهي معاناة فرج عند هذا الحد، بل ما يزال ينتظر شفاء زوجته وابنته ليان، كي تبدأ رحلة البحث عن مأوى للمرة السادسة، بعدما تمزقت أقمشة الخيمة البالية، بفعل سقوط الصاروخ الإسرائيلي.
يقول: "حين خرجنا من بيتنا في المخيم الجديد بالنصيرات قبل عام ونصف، نجونا من الموت بأعجوبة، كانت القذائف تتساقط علينا، لكن الناجي منها لم ينجُ من الصواريخ أو الجوع".
ومنذ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ترتكب "إسرائيل" إبادة جماعية بغزة، خلفت أكثر من 197 ألف شهيد وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين بينهم عشرات الأطفال.
ر ش
