في غزة وفي مثل هذه اللحظات والأيام استبدل صياح الخراف والعجول، وأصوات المُضحّين الذين يزاحمون بعضهم في مزارع المواشي، وتكبيرات الأطفال في المذابح، بهدير طائرات الاحتلال الحربية وأزير الرصاص المنبعث من فوهات البنادق وشلال الدم المنساب على الأرض ليس من كثرة الأضاحي بل من مئات الشهداء الذين يفوح عطرهم في أزقة وحارات القطاع.
"أضحى" آخر يمر على أهالي غزة دون فرحة أو احتفال أو طقوس اعتادوا عليها، فلن يحضر طبق الكعك في تهنئة العيد، حتى أن عديد المهنئين غابوا عن جلسات أحبائهم ليحل الحزن مكان الفرح والدموع عن الابتسامة.
600 يوم ونيف ارتدت فيه غزة لبس الإحرام ولم تخلعه بعد، قدمت قربانها آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، ضحت خلالها بفلذات أكبادها فأضحى عيدها يتيما دون أب وولد.
فرحة مفقودة
"لا يوجد فرحة بالعيد الأجواء خلت من الأضاحي والحجيج وتكبيرات العيد، فقط شلال دماء وشهداء ودمار"، يقول أدهم عبد ربه.
ويضيف في حديثه لوكالة "صفا"، "كنا في مثل هذا اليوم من كل عام نجهز الأضاحي مع متابعة أمور الحجاج وتحضير العيديات للأطفال".
وتابع، "العيد يمر هذا العام ثقيلًا بلا فرحة ولا طقوس فقط شهداء ودماء تغطي شوارع المدينة التي اعتادت على الفرح، تُحرم من شعيرة الذبح ومناسك الحج".
إبراهيم الددة اعتاد على شراء الأضاحي في حصة مع أشقائه، إلا أن الاحتلال حرمه وأطفاله هذه الفرحة فثمن الأضحية هذا العام يتجاوز عشر أضعافها مقارنة بقبل عامين من الآن.
وفي ظل الحصار الإسرائيلي المطبق ومنع إدخال أي شيء للقطاع، يحرم أهالي غزة من أداء شعيرة الذبح بعيد الأضحى، لاسيما أن حصة الفرد الواحد بأضحية العجل كانت تبلغ قبل الحرب ما يقارب من 500 دولار أمريكي، لكنها الآن تتجاوز 3 آلاف دولار نظرًا لندرة العجول والخراف في القطاع.
يقول الددة في حديثه لوكالة "صفا": "الحرب سرقت فرحة العيد من قلوب الأطفال وأبدلت عيدهم إلى حزن على فقد أب وأخ وأم أو عائلة بأكملها".
ويضيف، "نتجه إلى شراء المرق المصنع من الدهن الصناعي وبعض العظام، من الباعة كبديل عن اللحمة في محاولة لمنح عائلاتنا بعضًا من الطعام خارج إطار المعلبات".
ويشير إلى أنه يسعى بجهده لإيجاد بدائل تعيد الحياة إلى وجوه أطفاله إلا أنه لم يجد أمامه سوى بضائع باهضة الثمن وأناس تركض لتحظى بكيلو دقيق تسد رمق صغارها بدلا من اللحوم كما العادة.
أسعار فلكية
ويشدد الددة على أن أسعار الأضاحي في هذا الموسم مكلفة جدًا لا يستطيع المواطن العادي الحصول عليها عدا عن كونها غير متوافرة كما السنوات الماضية.
رامي دكة صاحب مزرعة عجول وخراف، يقف على عتبة بيته يضرب حظه العاثر بعدما فقد كل ما يملك بقصف الاحتلال لمزرعته في المناطق الشرقية لمدينة جباليا شمالي القطاع.
يقول دكة، إن "مزرعته كانت تحتوي على العشرات من رؤوس الماشية والتي كان يقوم ببيعها في موسم عيد الأضحى، في حين يقف اليوم دون عمله ودون طقوس الأضحى".
ويضيف في حديثه لوكالة "صفا"، "موت المواشي بفعل القصف الاسرائيلي على القطاع هو السبب الرئيس في ارتفاع أسعارها فضلا عن منع الاحتلال دخول الأعلاف لما تبقى منها منذ أكتوبر 2023، ما اضطر أصحابها لذبحها وبيعها في بداية الحرب".
ويتابع دكة، "ثمن الخروف الواحد قبل الحرب كان يتراوح بين 1200 و1500 شيكل، أما الآن فقد ارتفع أضعافا مضاعفة ليصل إلى ما بين 12 و15 ألف شيكل، وهذا مبلغ لا يستطيع دفعه أحد إلا فئة قليلة تعد على الأصابع من التجار وأصحاب رؤوس الأموال".
ويؤكد دكة أنه في مثل هذا الموسم من الأعوام السابقة كان يبيع قرابة ال 50 عجلاً، وأكثر من 200 خروف، أما الان فهو لا يملك خروفًا واحدًا منها بفعل الحرب.
ويشدد على أنه لا يوجد موسم للأضاحي هذا العام، لافتًا إلى أن "الناس تسعى لتوفير الطحين لأبنائها لم يعد يهمهم الأضحية وتبعاتها أمام فقد الدقيق، أصبحت حياتهم تسير وفق الأولويات الأساسية للحياة".
