غزة- مدلين خلة - صفا
"أنا ما متت، بقّيتُ هنا لكي أوصل صوت أولادي، وأُخبر العالم بأن أطفالي وأطفال غزة ليسوا أرقامًا، بل عندهم أحلام وطموحات مثل كل أطفال العالم يتمنون تحقيقها".
رسالةٌ حملتها ضحى الصيفي في صدرها، فعادت إلى الحياة بمعجزة، بعد إصابتها الخطيرة واستشهاد أطفالها الثلاثة، إثر قصف الاحتلال الإسرائيلي مدرسة دار الأرقم في حي التفاح شمال شرقي مدينة غزة خلال نيسان/أبريل الماضي.
لم يكن علم الأطباء كافيًا لبقائها على قيد الحياة، فكان اليأس يتسلل إلى نفوس ذويها بنهايتها الحتمية والتحاقها بأبنائها الشهداء الثلاثة، لتكون عنقاء تخرج من تحت ركام الحرب.
ليسوا أرقامًا
تحارب ضحى (32 عامًا) الإصابة والألم، وتتشبث بالحياة، رغم غياب صوتها وتهتك فكها السفلي، ومعاناتها من إصابات أخرى ضربت جسدها ومنعتها من الحركة.
حاولت أن تخرج صوتًا تسأل فيه عن أطفالها، لكن دون جدوى، لأن تهتك الفك السفلي يحول دون ذلك، تحاملت على نفسها واستطاعت التقاط قلم بصعوبة لتكتب على لوح صغير، "أولادي بخير؟"، ليكون الرد صاعقًا "عصافير في الجنة".
تلقت ضحى صعقة قوية بفقدانها فلذات أكبادها الثلاثة ريتال أبو سنينة (13 عامًا)، ونور الحق (10 أعوام)، وأسامة (4 أعوام)، لتتحامل على نفسها وتُغير مسار حياتها وتختار أن تُخبر العالم بحكاية أبنائها وأنهم "ليسوا أرقامًا".
تفاصيل مؤلمة
"تروى ضحى والألم يعتصر قلبها، تفاصيل ما حدث قائلة: "يوم عيد الفطر الماضي، قررت أُفرح أطفالي وأطلعهم من جو الحرب والقصف، فأخبرتهم إني سأخذهم زيارة عند خالتهم النازحة في مدرسة دار الأرقم".
وتضيف في حديثها لوكالة "صفا"، "اتصلت بأختي أخبرتها بقدومي وأطفالي لزيارتها، فجاءني ردها بأن الوضع صعب، لكني أصرّرتُ على الزيارة لإسعاد أطفالي الذين كانوا متشوقين لخالتهم".
وتتابع "أعدّدتُ لهم سفرة عيد بسيطة، دون أن أعرف بأنها ستكون الأخيرة معهم".
كان اللعب على الدراجة فرحة الأطفال، بعد اختفاء ألعاب العيد فقررت أخذ دراجة أسامة معنا، ليلعب بها وأبناء خالته".
وتكمل حديثها "وصلوا المدرسة، استقبلتنا أختي وقدمت لنا عصير الكركديه، والقهوة، أما الأطفال فأخذوا يركضون في ساحة المدرسة تتعالى ضحكاتهم ويتمازحون يلعبون بالدراجة ويتسامرون ورفاقهم".
وتردف "أثناء جلوسي مع ابنتي ريتال وأختي وبناتها الثلاث وابنة حماها، فجأة، لمع وميض تلاه صوت قصف استهدف المدرسة بشكل مباشر".
وما هي لحظات حتى تحوّلت معالم الفرح والضحكات إلى ألم وحزن عميق يأكل قلب أصحابه.
تقول ضحى: "أول إشي خطر ببالي أسامة، بدي أروحله، بس ما قدرت، رفعت أصبعي وتشاهدت: اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك".
وتضيف "لم أشعر أنني طرت من الصف، وكأن الملائكة حملتني دون ألم، لينجو معها ابنها سيف الحق 12 عامًا، بأعجوبة بعدما أصيب ابن خالته ورفيقهما إصابة بالغة".
كان الأطباء في مستشفى المعمداني بغزة أخبروا زوجها وأهلها أنها لن تنطق مجددًا، لأن الإصابة بليغة، فكانت فاقدة للوعي، وجهها مشوه بالكامل، كما أنها فاقدة لفكها السفلي، وأسنانها، حيث أُصيبت بيدها اليسرى إصابة خطرة، كما فقدت السمع بأذنها اليمنى وجزئيًا باليسرى، وأنها ستفقد النطق.
صبر على الألم
حاربت بكل قوتها كي تستعيد وعيها بعد 20 يومًا من الإصابة وتنطق أول حروفها بعد 25 يومًا في معجزة صبرها وتحّملها لألمها.
وخضعت لعدة عمليات، في اليد وزراعة رقعة بيدها من البطن، وتركيب شريحة في الفك، مع علاج طبيعي مستمر للفك واليد.
وما تزال ضحى تعاني من كسور وعظام مفقودة في يدها، وهي بحاحة ماسة للسفر للعلاج بالخارج، بما يشمل زراعة عظام وأسنان وإجراء عمليات تجميلية.




ر ش
