رغم الأوضاع الكارثية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة، نتيجة منع إدخال المساعدات لأكثر من شهرين، إلا أن "إسرائيل" تُصر على وضع خطط وآليات جديدة بشأن تلك المساعدات تحمل في ظاهرها طابعًا إنسانيًا، وفي باطنها "أهداف أمنية وسياسية خبيثة".
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية على القطاع في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يستخدم الاحتلال المساعدات الإنسانية كورقة ضغط وابتزاز سياسي وعقاب جماعي بحق المدنيين الفلسطينيين، في محاولة لتكريس سياسة التجويع والحصار، واستخدام تلك المساعدات كأداة ضغط سياسية وعسكرية.
وبدلًا من إدخال المساعدات عبر معابر القطاع الرسمية كحق إنساني مكفول وفقًا للقوانين الدولية، يسعى الاحتلال إلى تحويلها لوسيلة للسيطرة والتحكم في مقومات الحياة الأساسية للفلسطينيين في غزة.
وبحسب تقارير صحافية إسرائيلية، تعمل "إسرائيل" بالتعاون مع الولايات المتحدة على إنشاء آلية جديدة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة من خلال "صندوق دولي" تدعمه دول ومؤسسات مانحة.
وبموجب هذه الآلية الجديدة، يعمل جيش الاحتلال على بناء "مجمّعات إنسانية" لتوزيع المساعدات في أجزاء من القطاع، يُسمح للعائلات الفلسطينية بالوصول إليها مرة واحدة أسبوعيًا، لاستلام طرد مساعدات واحد لكل عائلة يكفي لمدة سبعة أيام، على أن تتولى شركة أمريكية خاصة إدارة الجوانب اللوجستية وتوفير الأمن داخل المجمعات وفي محيطها، بينما يتولى الجيش تأمين المناطق المحيطة بها.
ولاقت هذه الخطة الإسرائيلية، والتي وصفها مسؤولون أمميون وفلسطينيون بأنها "مريبة وخطيرة"، رفضًا فلسطينيًا ودوليًا وأمميًا، كونها تمثل خرقًا للقانون الدولي وتنصلًا من التزامات الاحتلال بموجب اتفاقية جنيف، كما أنها تتعارض مع المبادئ الأساسية للعمل الإنساني.
وكشفت منظمات دولية عاملة في قطاع غزة، وتصريحات مسؤولي الأمم المتحدة، زيف مزاعم الاحتلال حول خطط توزيع المساعدات، مؤكدة أن ما يُروج له ليس سوى "محاولة خداع لتخفيف الضغط الدولي".
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في غزة: إن "الخطة الإسرائيلية تبدو مصممة لتعزيز السيطرة على الإمدادات الأساسية كجزء من استراتيجية ضغط عسكرية، وهو ما يُعد انتهاكًا صريحًا للمبادئ الإنسانية".
وحذّر من أن الاستراتيجية المقترحة ستجبر المدنيين على دخول مناطق عسكرية لجمع الحصص، ما يعرضهم وعمال الإغاثة للخطر، ومن المرجح أن تسهم الخطة في المزيد من النزوح القسري.
ومنذ الثاني من آذار/ مارس الماضي، أغلقت سلطات الاحتلال معابر قطاع غزة، أمام دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية والبضائع والوقود، وبات حوالي 2.4 مليون فلسطيني يعانون أوضاعًا إنسانية وصحية كارثية غير مسبوقة، وسط تفاقم المجاعة.
تداعيات خطيرة
رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني صلاح عبد العاطي يحذر من تداعيات الخطة الإسرائيلية المقترحة بشأن إيصال المساعدات إلى غزة، لما تحمله من "أهداف سياسية وعسكرية خبيثة".
ويقول عبد العاطي في حديث لوكالة "صفا"، إن هذه الخطة تسمح لـ"إسرائيل" بالتحكم في منسوب المساعدات الواردة لغزة، وجعل الاحتلال بلا كلفة بحيث من يقوم بتمويل هذه المساعدات هي المنظمات الدولية.
ويضيف أن هذه الخطة تعد جزءًا من مخطط تهجير الفلسطينيين، إذ يتم دفعهم للعيش في معازل ومعتقلات، وتحت ظروف كارثية ستؤدي لاحقًا إلى دفعهم للهجرة خارج الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى أنها ستسمح بإلغاء عمل المؤسسات الدولية المختلفة ومنظمات الأمم المتحدة، في إطار تصفية القضية الفلسطينية.
وبعد 65 يومًا من استمرار إغلاق المعابر أمام دخول المساعدات، وفي ظل تزايد الانتقادات الدولية والإدانات لجرائم الاحتلال، بما فيها المرافعات أمام محكمة العدل الدولية، التي طالبت بإنفاذ المساعدات وضمان تمكين المؤسسات، وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" من مهامها في الأراضي الفلسطينية، تحاول "إسرائيل" امتصاص النقمة العالمية والتحكم في منسوب المساعدات الداخلة إلى القطاع. وفق عبد العاطي
ويوضح أن سلطات الاحتلال تريد التحكم بالمساعدات عبر الطلب من المنظمات الدولية بتقديمها إلى جيش الاحتلال تحت إشراف شركة أمريكية أمنية لأجل توزيعها لاحقًا من خلال مراكز محددة يقيمها الاحتلال في داخل القطاع، وهي أشبه بمعتقلات منها إلى مراكز توزيع للمساعدات.
ويتابع أن "إدعاء الاحتلال بوصول المساعدات إلى حركة حماس هدفه التضليل، باعتبار أن الحركة لا تستلم هذه المساعدات، بل يتم توزيعها من خلال المنظمات الدولية حسب كشوف وقوائم العائلات الفلسطينية، ورغم ذلك، فإن إسرائيل ماضية في مخططاتها".
ويرى عبد العاطي أن المخطط المقترح يتجاوز المعايير الدولية لحقوق الانسان، ومبادئ الإنسانية ومعايير ميثاق "أسفير" للعمل الإنساني، وفي أثناء النزاعات المسلحة، وأيضًا يتجاوز قرارات الامم المتحدة ذات الصلة، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن القاضي بإنفاذ المساعدات الغذائية، ومنع استخدام سلاح التجويع.
سياسة التجويع
ووفقًا لعبد العاطي، فإن هذه الخطة الإسرائيلية تُكرس سياسة الحصار والتجويع بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة، وتُخالف تدابير محكمة العدل الدولية، واتفاقات منع جريمة الإبادة الجماعية، وأيضًا تمثل شكلًا من أشكال الإبادة الجماعية وجزءًا من سياسات الإهلاك للمدنيين الفلسطينيين، لذلك فهي محكوم عليها بالفشل.
ويشيد برفض الوكالات والمنظمات الدولية للخطة الإسرائيلية لإيصال المساعدات، مبينًا أن هذا الموقف يلتصق مع ميثاق الأمم المتحدة ومع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان.
ويطالب الناشط الحقوقي، العالم بضمان وقف سياسات العجز والتسويف، وضمان التدخل الجاد من أجل إجبار الاحتلال على تحمل مسؤولياته وفتح المعابر وإدخال المساعدات الغذائية لأهالي القطاع، وأيضًا إنقاذ أرواح المدنيين الذين باتوا يموتون جراء المجاعة.
وحسب التفاصيل المتداولة، تقوم الآلية الجديدة أيضًا، على إنشاء مرافق لتسليم المساعدات في أماكن محددة، بعيدة عن الكثافة السكانية وقريبة من مواقع تمركز جيش الاحتلال، ما يُنذر بخطر بالغ يتمثل في استخدام المساعدات كأداة لنقل السكان قسرًا تحت غطاء إنساني. وفق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان
ومن المرجّح أن تُجبر العائلات الجوعى، في ظل سياسة التجويع المنهجي منذ تشرين أول/أكتوبر 2023، على الانتقال إلى مناطق قريبة من تلك المواقع لإنقاذ حياتها، بما يتيح لـ"إسرائيل" تفريغ مناطق سكنية واسعة وفرض واقع ديمغرافي جديد يمنع العودة إليها.
وسبق أن أعلن كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومنسق الإغاثة الطارئة توم فليتشر أن المنظمة لن تشارك في أي خطة لا تلتزم بالمبادئ الإنسانية العالمية وهي: "الإنسانية والنزاهة والاستقلال والحياد".
