بينما يحتفل العالم في الأول من أيار/مايو بيوم العمال، يقف العامل الفلسطيني في قطاع غزة على هامش هذا الاحتفاء، مثقلًا بأعباء واقع اقتصادي متدهور يُعد من بين الأسوأ عالميًا.
فعلى مدى العامين الماضيين، تسببت الحرب الإسرائيلية المتواصلة والحصار الخانق في تفاقم الأوضاع المعيشية، وسط ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة وشح فرص العمل، ما دفع آلاف العمال إلى دوائر الفقر واليأس.
معاناة العمال في غزة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج 17 عامًا من الحصار المتواصل الذي أنهك كاهلهم وأثقل حياتهم بالمآسي.
ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على القطاع، ازدادت الأوضاع سوءًا، إذ يواجه العمال وأسرهم نقصًا حادًا في المواد التموينية وارتفاعًا كبيرًا في أسعارها، بما يفوق قدرتهم على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية، ليجدوا أنفسهم في قلب أزمة معيشية خانقة.
عمر الغندور (50 عامًا)، أحد عمال البناء الذين توقّفوا عن العمل منذ بدء الحرب، يصف واقع العمال في غزة بأنه "مأساوي جدًا"، قائلاً: "لا نستطيع توفير قوت عائلاتنا، ولا نملك المال لتلبية أبسط احتياجاتهم اليومية."
وفي حديثه لوكالة "صفا"، أوضح الغندور أن معاناة العمال لم تبدأ مع الحرب، بل هي امتداد لواقع صعب عاشوه سابقًا.
ويضيف الغندور "من قبل الحرب، كان وضع العامل في غزة سيئًا للغاية. كنا نعتمد على العمل اليومي، إذا اشتغلت تقدر تلبي احتياجات أسرتك، وإذا لم تشتغل فأنت عاجز تمامًا عن ذلك".
وتابع: "لم نكن نحصل حتى على الحد الأدنى للأجور المقرّ في القانون الفلسطيني. كان العامل يعمل لأكثر من 10 ساعات يوميًا، مقابل أجر يتراوح بين 20 إلى 40 شيكلًا، بالكاد يكفي لسد رمق أسرته أو شراء احتياجات أطفاله".
ويضيف الغندور "مع استمرار الحرب لأكثر من 17 شهرًا، أصبح وضع العمال في غزة يبكي الحجر، ويندى له الجبين، قبل الحرب كانت البطالة مرتفعة، أما اليوم فجميع العمال يعانون من غياب تام لفرص العمل".
ويشير إلى أن عمال غزة، كحال معظم سكان القطاع، باتوا يعتمدون بشكل رئيسي على المساعدات الغذائية والمعونات من الجهات الرسمية وغير الحكومية، محذرًا من أن استمرار الاحتلال في إغلاق المعابر وتشديد الحصار ومنع إدخال المساعدات، يضع كل عمال القطاع تحت خط المجاعة، ويُفاقم من واقعهم المعيشي المتدهور أصلًا.
ووفقًا لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شهدت معدلات البطالة في قطاع غزة ارتفاعًا حادًا خلال الربع الرابع من عام 2024، حيث وصلت إلى نحو 68%، مقارنةً بـ 45% في الربع الثالث من عام 2023، أي قبل بدء العدوان على القطاع.
وأظهرت نتائج مسح القوى العاملة أن فئة الشباب (15–29 عامًا) كانت الأكثر تضررًا، إذ بات نحو 74% منهم خارج نطاق التعليم أو التدريب أو سوق العمل. كما ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى 313 ألف شخص في عام 2024، مقارنةً بحوالي 183 ألفًا في العام السابق، ما يعكس تدهورًا غير مسبوق في فرص التشغيل داخل القطاع.
تيسير القرعاوي، أحد عمال غزة، يعاني من نقص حاد في المواد الغذائية في خيمة نزوحه، حيث أصبح يعتمد هو وعائلته على وجبة واحدة يوميًا، تتكون غالبًا من المعكرونة أو الأرز أو المساعدات الغذائية التي تصل إلى مخيمات النزوح.
يقول القرعاوي: "لم أتوقع في حياتي أن أعيش هذه الأيام، وأن يصبح اعتمادي الأساسي على المساعدات الغذائية، كنت قبل الحرب أُعيل عائلتي وعائلة ابني، وأساعد بنتي في تلبية احتياجات أسرتها".
ويضيف في حديثه لوكالة "صفا": "وضع العمال في غزة صعب للغاية، ولا توجد كلمات تعبر عن سوء الحال الذي وصلنا إليه، كانوا يعتمدون على عملهم اليومي لإعالة أسرهم، أما اليوم فهم عاطلون عن العمل، ولا يملكون المال لسد احتياجات أبنائهم".
ويتابع القرعاوي "جميع هؤلاء الذين يفترشون الأرصفة والطرقات لم يكونوا يعرفون الراحة في أيامهم السابقة، فقد كانوا يركضون بين المصالح لكسب قوت أطفالهم، أما اليوم فهم يمدون أيديهم ويسألون المارة لقضاء حاجاتهم".
ويؤكد القرعاوي، الذي كان يعمل حارسًا لإحدى المحلات التجارية الكبيرة قبل الحرب، أنه إذا استمرت الحرب لشهر آخر، فإن غالبية العمال وعائلاتهم سيواجهون مصيرًا مأساويًا بسبب نقص المواد الغذائية وعدم القدرة على تأمينها.
ويشير إلى أن الوضع في غزة بات يشمل الجميع، إذ يعتمد سكان القطاع بشكل أساسي على الأجرة اليومية، والتي بالكاد كانت تكفي لتلبية احتياجاتهم اليومية.
ويطالب القرعاوي الدول العربية والوسطاء بالضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية، والسعي الجاد لإنهاء الحرب، بالإضافة إلى إدخال مواد البناء والإعمار، التي ستساعد في توفير فرص عمل لعدد كبير من العمال في القطاع.
