بسطة خضار، تكية طعام، نقطة بيع خبزٍ أو توزيع لمساعدة، و خيمة فيها قوت يومٍ حصلته أسرة من مؤسسة خيرية بشق الأنفس، أو حتى شربة ماء بمواصي قاحلة، يُعد جميعه بنك أهداف، يركز جيش الاحتلال الاسرائيلي على قصفه مؤخراً.
وبالأمس القريب قصفت طائرات الاحتلال بسطة خضار وسط مدينة دير البلح، وارتقى فيها عدد من الشهداء وأصيب العشرات، لتختلط دماء الشهداء أطفالًا ورجالًا، بأوراق الخضار الشحيحة، بالسوق.
وبالتوازي وقتًا، سقط صاروخ حربي على رؤوس مجموعة من الأطفال بمدينة خانيونس جنوبي القطاع، وهم يحاولون تعبئة المياه، فسُكبت على أشلاءهم، قبل أن تصل حلوقهم.
وتسأل جدة ثلاثة أطفال ارتقوا بقصف نقطة المياه، مبحوحة الصوت قهرًا "أطفال ذهبوا لتعبئة المياه، راحوا يشربوا الماء، ماتوا فما ذنبهم؟".
وتلعن "العالم الذي يقف صامتًا أمام قتل الأطفال والنساء"، قبل أن ترتمي على جثامين أحفادها، منهكة مصدومة من هول المشهد.
وفي خيمة تأوي نازحين بمواصي خانيونس، تناثرت الأشلاء مع حبات العدس، الوحيدة التي كان يتناولها أطفال عائلة أبو الروس، قبل أن يرتقوا بقصف الاحتلال لخيمتهم، في ليلة هربوا فيها من الجوع نومًا.
ويقول شهود عيان لوكالة "صفا" إن عائلة أبو الروس، كانت لا تمتلك سوى بعض المعلبات داخل الخيمة.
وبينما اصطف أطفالٍ صباح اليوم لشراء رغيف خبزٍ ليسد رمق جوعهم، استهدفهم صاروخ من مسيرة، فغمست الأرغفة بدمائهم، وارتقوا برمقهم.
وتجوّع "إسرائيل" سكان قطاع غزة في إطار حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023، عبر فرض حصار شامل وإغلاق المعابر، وتعطيل دخول الإمدادات العاجلة، وتزامن ذلك بقتلهم واستهداف أي مصدر غذاء تبقى لهم.
وحذرت منظمة الغذاء العالمية من المجاعة التي دخلت لغزة، واستخدامها وسيلة للإبادة.
وزاد منع الإمدادات الغذائية والوقود والمياه، والمساعدات من حدة المجاعة، حيث يواجه 96% من السكان انعدامًا للأمن الغذائي.
تسريع مستويات المجاعة
ويؤكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إسماعيل الثوابتة في حديث لوكالة "صفا"، أن "إسرائيل تسعى من خلال استهداف مصادر الغذاء والماء إلى فرض سياسة تجويع جماعي ممنهجة على شعبنا بقطاع غزة وكلهم من المدنيين، في إطار حرب إبادة شاملة تستهدف كل مقومات الحياة".
ويضيف أن الاحتلال لا يكتفي بقتل المدنيين بالقصف، بل يريد أيضاً قتلهم بالجوع والمرض، من خلال ضرب ما تبقى من سلاسل الإمداد الغذائي، وتخريب محاولات الإغاثة، لإجبار الناس على الاستسلام أو الهلاك.
ويشير إلى أن جيش الاحتلال استهدف 28 تكية طعام، كانت تقدم وجبات للمحتاجين، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الإنسانية، و 37 مركزاً لتوزيع المساعدات الغذائية قصفها الاحتلال أو تم تدميرها بشكل مباشر.
ويكشف أن 157 جريمة استهداف ارتكبها الاحتلال بحق شرطة وعناصر تأمين المساعدات، ارتقى فيها 748 شهيداً من عناصر الشرطة وقوى الأمن، أثناء عملهم في حماية المساعدات وتنظيم توزيعها على المدنيين.
ويشدد الثوابتة، على أن هذه الأرقام تعكس حجم الجريمة التي يرتكبها الاحتلال بحق شعب أعزل يعاني من الحصار والقصف والتجويع في آنٍ واحد.
ويحذر من أن مخاطر ما نشهده اليوم يُعبّر عن انزلاق خطير للعقلية الإسرائيلية، نحو تبني سياسات فاشية وعنصرية لا تتورع عن استخدام الغذاء والماء كسلاح حرب ضد المدنيين في قطاع غزة.
ويؤكد أن هذا الانحدار الأخلاقي يمثل تهديدًا ليس فقط لغزة، بل للمنظومة الإنسانية العالمية، ويشكّل سابقة خطيرة تمسّ القانون الدولي الإنساني وتنذر بتعميم الفوضى والانهيار الأخلاقي في النزاعات.
انهيار منظومة الغذاء
ويدق ناقوس كارثة إنسانية وشيكة قد تودي بحياة الآلاف من المدنيين، إذا استمر العالم في صمته وتراخيه، وبقي الاحتلال يمعن في إغلاق جميع المعابر، ومنع إدخال الغذاء والماء، واستهداف ما تبقى من مراكز التوزيع والطواقم العاملة.
والسيناريو الأخطر القادم، في ظل هذا المنحنى من الاستهدافات، هو انهيار كامل لمنظومة الأمن الغذائي والصحي في غزة، وتحول المجاعة من خطر محتمل إلى واقع يومي قاتل للآلاف، في ظل عجز دولي عن لجم هذا الإجرام الإسرائيلي أو إنفاذ القانون، حسب الثوابتة.
وبدعم أمريكي، ترتكب "إسرائيل" منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إبادة جماعية بغزة خلفت أكثر 51 ألف شهيد، وما يزيد عن 164 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، بالإضافة لما يزيد عن 14 ألف مفقود تحت الأنقاض.
