بعد 18 شهر إبادة، حولّ فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي معظم مباني قطاع غزة وأراضيها إلى شوارع مفتوحة، محاولًا سماع "دبّة النملة"، يخرج من تحت شارع "جكر" الحدودي، مقاتلون، كخروج الحي من أرض ميتة، يأكلون ببنادقهم، بعد أسابيع من الجوع والحصار.
وعرضت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة "حماس"، يوم الاثنين، مشاهد من كمين مركب أطلقت عليه اسم "كسر السيف"، نفذته قبل يومين ضد قوة إسرائيلية شرق بيت حانون شمالي قطاع غزة، وأدى إلى مقتل جندي إسرائيلي وإصابة عدد آخر بجروح.
وأظهر الفيديو عددًا من عناصر القسام يخرجون من عين نفق بمنطقة مفتوحة على شارع العودة "جكر" شرق بيت حانون، والتي تقع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وضمن حدود المنطقة العازلة التي أعلنها جيش الاحتلال.
وظهر مقاتلو القسام وهم يهاجمون جيباً عسكريًا من نوع "ستورم" بقذيفة مضادة للمدرعات، ثم أطلقوا النار تجاهه من النقطة صفر وتم انقلابه بمن فيه، ليتبعون بمهاجمة قوة الإسناد التي هرعت إلى المكان بعبوة تلفزيونية 3 مضادة للأفراد، في مشاهد، قد يعتقد الرائي للوهلة الأولى، أنها من لعبة "ببجي" الإلكترونية.
ثم لم تنته مهمة المقاتلين عند ذلك، فهاجموا موقعًا مستحدثًا لقوات الجيش، بأربع قذائف "آر بي جي" وعدداً من قذائف الهاون، وكل ذلك في منطقة مفتوحة، لا جدار فيها ولا بيوت محصنة.
ويمتد شارع "جكر" الترابي، وهو مصطلح شعبي يعني تحدي أمر واقع "العند"، الذي جهزته كتائب القسام، على طول عشرات الكيلومترات من معبر رفح جنوباً، وحتى بيت حانون شمالاً.
والشارع المذكور، يمثل أكبر تحد لقوات الاحتلال منذ انتهاء عدوانها على قطاع غزة، نهاية أغسطس/ آب من عام 2014، من حيث مروره بمحاذاة خط التحديد مباشرة، في مسافة أقصرها 300 متر، وأقصاها 500 متر.
ولشارع "جكر" تاريخ مع الغزيين، الذين لطالما احتشدوا وهم محاصرون وجوعى، على امتداده بمسيرات العودة، التي انطلقت في مارس عام 2018، واستمرت أعوامًا، ضد الحصار الاسرائيلي المشدد آنذاك.
وفي شارع "جكر" وإبان تلك المسيرات الغاضبة، أصيب عدد من جنود الاحتلال برشقات النيران والطائرات الورقية المخففة، والرصاص وغيره، فيما ارتقى العشرات من الشهداء، قبل أن يُرغم الاحتلال على فك الحصار، مقابل وقفًا لتلك المسيرات.
وتمثّل عملية اليوم ترجمة عملية لخطاب كان تحدث به رئيس حركة "حماس" الشهيد يحيى السنوار، الذي خرج يومًا من شارع "جكر"، قائًلا "هناك أناس لم يأكلوا منذ أسابيع في غزة، وهي ستأكل ببندقيتها لا بثدييها، ولن تسلم سلاحها".
مؤشر لعافية المقاومة سيتكرر
وتقود المعركة التي شوهدت بشارع "جكر" اليوم، لرسالة معاكسة تمامًا لتوقعات "إسرائيل"، وبعض التحليلات بأن المقاومة ضعفت إلى حدود بعيدة، كما يجزم المحلل السياسي عماد عواد.
ويقول في حديث لوكالة "صفا" إنه "لا شك أن هناك تراجعًا بعض الشيء في أداء المقاومة، وهذا يعود لأسباب موضوعية من حصار ودمار وهدم وغيره، لكن هناك نفس فلسطيني مقاوم يتجدد".
ويرى أن هناك قدرة على التغلب على إجراءات الاحتلال التي أحدثها على الأرض بشكل أو بآخر، مصيفًا "وهذا يعني أن هذا الحدث بشارع جكر اليوم، سيتكرر خلال الفترة المقبلة خاصة إذا استمرّ الاحتلال بالتواجد بالقطاع".
ويشدد على أن "إسرائيل" نفسها، تدرك أن الفاتورة لن تكون سهلة، ولن تكون مريحة لها من كل النواحي، وأن واستمرار الحرب مرهق إسرائيليًا، ولكن هناك دوافع داخلية لاستمرارها.
ويعتقد بأن "إسرائيل تقود نفسها تجاه الانزلاق في مستنقع، ربما اليوم لديها القدرة من الخروج منه، ولديها فرص جيدة تفرض معادلات".
ويستدرك "ولكن المعادلة السياسية الداخلية ستقودها للمزيد من العمق والتوغل والتوغل، وهذا سينعكس بالتأكيد بردة فعل مقاوم وربما تنتقل لساحات أخرى".
ويقرأ في الحدث، أن العملية التي نشرها القسام اليوم، مؤشر على أن ما أبدته المقاومة بشهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، من قدرة على التصدي وإيقاع وإيلام الاحتلال، سيتكرر في ظل المعطيات الموجودة على الأرض.
وتشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أنّ أكثر من 1500 إسرائيلي قتلوا منذ بدء المعارك بغزة، بينهم أكثر من 700 ضابط وجندي، بالإضافة إلى نحو 10 آلاف جريح.
ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، انقلابه على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير/كانون الثاني الماضي واستمر نحو شهرين بعد 471 يوما من الإبادة الجماعية.
وفي فجر الثلاثاء 18 مارس/آذار، استأنف الاحتلال عدوانه الهمجي على القطاع بعشرات الغارات الجوية راح ضحيتها أكثر من 400 شهيد و500 مصاب خلال ساعات، معظمهم من الأطفال والنساء.
واستشهد منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 51,201 مواطنًا، فيما وصل عدد المصابين إلى 116,869، نحو 72% منهم نساء وأطفال، وفق وزارة الصحة.
