web site counter

أحمد غراب.. زُف شهيدًا في يوم زفافه

غزة- مدلين خلة - صفا
على إحدى زوايا غرفة نزوحها في مدرسة الدحيان بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، ما يزال فستانها الأبيض معلقًا، ينتظر تلك اللحظة التي تُعلن فيها ساعة الصفر لتتزين ملك أبو العمرين عروسًا تُزف بأبهى طلة، لتعلن ومن عُقد قلبها على قلبه ميلاد حياة من مخاض حربٍ ابتلع إعصارها كل معاني الفرح. 
لم يكن الوقت رفيقًا لتلك العشرينية التي أخذت تطوي أيام الخطوبة القليلة وتنتظر بحب تاريخ الزفاف الذي نقشته في جوف قلبها وزينته بذكريات جمعتها مع رفيق دربها أحمد غراب، فأصبح التاريخ وعدًا لا يخون ستتلاقى فيه روحهما، بعد تعبٍ طويل.
إلا أن أحمد زُف زِفة لم يُشهد لها مثيل، فحملته ملك بين سطور حديثها تزفه شهيدًا إلى الله قبل ساعات قليلة من يوم زفافهما، فاختلفت قوانين الأرض ووشح أحمد بالأبيض ولبست ملك ثوب حزنها على وعدٍ لم يكتب له القدر الاكتمال.
والثلاثاء الماضي، استشهد أحمد غراب، باستهداف طائرات الاحتلال منزل عائلة في دير البلح وسط قطاع غزة، مبددة حلمه في بيت مستقر وزوجة تسكن إليها روحه.
وجع الفراق
"يوم الفرح والله صعب تفقد روحك وتنقلب الحياة إلى سواد كبير، يا ريتني كنت معاه، كنا نجهز لكل تفصيلة حلوة بهاد اليوم". هكذا وصفت ملك خطيبة الشهيد غراب شعورها بعد استشهاده يوم زفافهما.
تقول ملك لوكالة "صفا": "أحمد لم يكن شخصًا عاديًا، بل كان عوض كبيرًا من ربنا، إنسان يضرب فيه المثل بالحنية والطيبة، كل همه بالدنيا كان ما يشوفني زعلانة ودايمًا كان يطبب على حزني من الحرب بكلامه الجميل".
وتضيف "طلبتُ منه كتيرًا أن يعطيني وعد بأن لا يتركني للدنيا وحيدة، فكان جوابه الدائم وعد لأعيشك أحلى عيشة، وما أخلي في قلبك زعل، وتكون حياتك مثل ما بدك وأكثر".
وتتابع "كانت كلماته تلمس قلبي وتزيل أي ملامح للخوف مما يحدث وما هو قادم".
شهر واحد فقط طبع فيه أحمد حبه على قلب ملك، لتكون لسان يحكي مناقبه وتُخبر العالم بأنه أوفى في وعوده كلها لها، حتى تلك الحياة التي ترى أنه قصّد الجنة بها ليأخذها إلى جواره حورية تُزين زهوة حياة أخرى، يتنعمون بها دون قصف وخوف ودمار.
"أحمد ما بنتسى، صحيح أنني عايشته لشهر واحد فقط إلا أنها كانت عمرًا بأكمله، لم يترك خلالها وسيلة أو طريقة لاسعادي ومحو الحزن والوجع من قلبي الا وفعلها، كان حريص أن يُعوضني عن كل ما فقدته خلال الحرب، وأن يشعرني أنني أستند على جبل يعتمد عليه"، تقول ملك.
أجمل المواقف
وتتحدث ملك عن أجمل المواقف التي جمعتها بخطيبها، قائلة: "في ليلة العيد والقصف على أشده، لم أكن أتوقع قدومه لزيارتي ومعايدتي، إلا أنه فاجأني بوقوفه أمام غرفة الفصل الدراسي حاملًا بيده هدية مغلفة بشكل جميل، وخاطبني لن يكون هناك عيد دون رؤيتك".
وتصف عائلته قائلة: "أهله ناس طيبين، ناس سُكرة صعب تلاقي برفعة أخلاقهم، لم أرَ منهم إلا جميل المعاملة، صعب تلاقي مثلهم بهيك وقت".
وتعود بذاكرتها لآخر محادثة جمعتها بأحمد، ليقطع حديثنا شلال من الدموع ينهمر من عينيها، "في آخر ليلة له في الدنيا حكينا كتير، وكنا نُخطط لثاني يوم، يوم الفرح وشو رح يكون وكيف سيمر".
وتضيف "استمرت مكالمتي معه حتى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، تحدثنا مطولًا عن تفاصيل يوم الزفاف وأخبرني عن استعداده وشوقه لتلك اللحظات كان يرغب بأن يمر الوقت سريعًا".
لبرهة أخذت نفسًا عميقًا ابتلعت غصة ذبحت صدرها، "والله كان حاسس، قبل ما تنتهي المكالمة قال لي بكرة بستشهد وبتعدي أربع خمس أيام وبتنسيني".
وتتابع "عندما قال جملته هذه، طلبتُ منه ألا يقول هذا الكلام مجددًا، فأخذ يُبرر أنه كان يمازحني فقط، فأجبته مش حقدر أنساك وغيرك ما بدي من الدنيا ولو صار واستشهدت فأنا حكون معك وحوريتك في الجنة".
الوداع الأخير
وتكمل حديثها "أغلقت الهاتف، ولم أكن أعلم أن تلك المحادثة كانت وداع من أحمد آثر أن تكون طويلة على غير عادته".
وتردف "استيقظتُ الساعة الثامنة صباحًا وأمسكتُ هاتفي وأخذت أحادثه مسجات كما كنا متفقين الليلة الماضية، لكن لم يأتِ رد، فحاولت الاتصال به دون وجود أي رد، وحينها شعرتُ بنخزة في قلبي آثرت عدم تصديقها، لأن أحمد لن يترك هذا الوعد دون الإيفاء به".
وتتابع "أخبري أبي باستهداف منزل عائلة أحمد، لم أصدق وأخذت عباءتي وهاتفي أحاول الوصول لأي شخص من العائلة، لكن دون جدوى".
بدأت تلهج بالدعوات "اللهم لا تختبر صبري بأحمد ولا تذقني ما لا أطيق تحمله، كل شي إلا أحمد، وعدني ما يتركني، معقول كلامه الليلة ما كان مزح"، هواجس كثيرة تلك التي عصفت بقلب ملك تسير على غير هدى لا تريد تصديق ما يُقال تُسابق الريح لتصل لحبيب قلبها تطبب جراحه وتداويها بحنانها وحبها له. 
تقول: "وصلت مستشفى شهداء الأقصى أخبروني أنه مصاب، فحكيت بهمش صوته في الدنيا بضل حده ليتعافى وبجيبه عندي على غزة ما راح أتركه لحظة وحدة".
وتبقى بعض الأمنيات عالقة، لأن قدر الله يسير إلى حيث يريد، تضيف ملك "عندما أشاروا لي عن مكان أحمد ذهبتُ نحوه، فإذا هو مكفن بالأبيض ينام في ثلاجات الموتى معلنًا مفارقته للحياة وتركه لي".

 

 

 

ر ش

/ تعليق عبر الفيس بوك