"قتيل خير من أسير".. هذا ما يُنفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنع وقوع أي من جنوده أو مستوطنيه في أيدي المقاومة الفلسطينية أو أي جهة أخرى، حتى لو تطلب ذلك قتلهم، كما برز بشكل غير مسبوق منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى وقف إطلاق النار في غزة يوم 19 يناير/ كانون الثاني الماضي.
لذلك يستخدم الاحتلال نظام "هنيبعل"، الذي سنه عام 1986، في أعقاب إتمام "إسرائيل" صفقة تبادل ستة جنود إسرائيليين أسرى مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين –القيادة العامة، مقابل أكثر من 1000 أسير فلسطيني وعربي آنذاك.
ويعتبر المسؤولون العسكريون في "إسرائيل"، أن اختطاف الجنود أمر استراتيجي وليس تكتيكيًا، ويحمل ثمنًا باهظًا للغاية يجب على "إسرائيل" دفعه من أجل إطلاق سراحهم.
تسميته ونشأته
وتعود تسمية "حنيبعل" لقائد جيش طنجة في حرب الرومان قبل الميلاد، حيث فضل القائد "حنيبعل" قتل نفسه بالسم بدلًا من تسليم نفسه للرومان.
وجاءت التسمية من هنا لتشرح ذاتها، فبدلًا من وقوع جنود الاحتلال في يد أعدائهم أحياء، يعمل الجيش كل ما بوسعه لقتلهم، تحت غطاء محاولة إنقاذهم حتى يتخلص من عبء وجودهم أحياء بيد الأعداء.
ويُجيز "هنيبعل" استخدام شتى أنواع الأسلحة الثقيلة وعمليات القصف للمواقع عند أسر أي جندي إسرائيلي لمنع الآسرين من مغادرة موقع الحدث، حتى لو شكل ذلك خطرًا على الأسير.
ويعتمد في جوهره على سياسة الأرض المحروقة، وينص على فتح النار العشوائي إذا تم أسر أحد الجنود بهدف قتل الآسرين والأسير معًا.
ومنذ عام 1986، طبق جيش الاحتلال "هنيبعل" في مناسبات عديدة، وخاصة بعد أسر حزب الله اللبناني الجنديين الإسرائيليين "يوسف فينك" و"رافائيل الشيخ"، وما تلا ذلك من عمليات تبادل للأسرى وصفت بـ"غير المتوازنة"، وبعدها تم توجيه جنود الاحتلال إلى عرقلة اختطاف زملائهم بأي ثمن.
وكان رئيس القيادة الشمالية الأسبق في جيش الاحتلال يوسي بيليد صاغ النظام، بالتعاون مع رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك غابي أشكنازي، وقائد المنطقة الشمالية في الجيش حينها عمرام ليفين، ومستشار الأمن القومي الأسبق الجنرال يعقوب أميدرور، في محاولة للتملص من دفع ثمن وقوع الجنود أسرى وقتلهم مع خاطفيهم إذا لزم الأمر.
ورغم أن تفاصيله كانت سرية لسنوات، إلا أنه أثار خلافات شديدة وجدلًا واسعًا في "إسرائيل".
وفي يونيو/حزيران 2016، أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق غادي آيزنكوت، عن إلغاء "هنيبعل"، بناءً على توصية من النائب العام يوسيف شبيرا، في إطار الفصل المتعلق بالقانون الدولي في مسودة التقرير بشأن العدوان على قطاع غزة في صيف عام 2014.
وحينها، أمر آيزنكوت بكتابة أمر جديد تم العمل عليه في قسم العمليات، بشأن التعاطي مع حالات وقوع الجنود في الأسر، لكن لا يُعرف كثير عن تفاصيل تلك التعديلات.
ويعتبر جيش الاحتلال الوحيد حول العالم الذي يستخدم هذا النظام، رغم الانتقادات الداخلية المتكررة من الجنود والضباط له، كونه لا يوفر الحماية للقوات العاملة ميدانيًا ويفضل إعدامهم على أسرهم والتفاوض على الإفراج عنهم.
وتضمنت الوثيقة القديمة نصوصًا سرية تنص على أنه "يتعين على أفراد الجيش إحباط أي عملية اختطاف للجنود، حتى لو كانوا مضطرين لإيذاء أو جرح أحد زملائهم الجنود".
استخدامات النظام
في يونيو/حزيران 2006 حين أسرت حركة حماس "جلعاد شاليط" في عملية داخل موقع عسكري إسرائيلي على الحدود مع غزة، جاء الأمر بتفعيل النظام، لكنه كان متأخرًا للغاية، ولم يمنع أسره، وتمت مبادلته عام 2011، مقابل 1027 أسيرًا فلسطينيًا، وهو أعلى عدد أسرى تمت مبادلتهم مقابل أسير إسرائيلي واحد.
وخلال العدوان على غزة عامي (2008–2009)، صدر أمر استخدام النظام حين أصيب جندي إسرائيلي بالرصاص على يد مقاتلي حماس أثناء تفتيش منزل في قطاع غزة، فتعرض المنزل للقصف في وقت لاحق لمنع أسر الجنود الجرحى أحياء.
وخلال العدوان على غزة عام 2014، اعترف جيش الاحتلال بتفعيل هذا النظام 5 مرات، إذ قتل ثلاثة جنود كانوا في طور الخطف شرقي خان يونس جنوبي القطاع، وفي بيت حانون شمالي القطاع، وشرقي التفاح بغزة.
وفي أغسطس/آب 2014 استخدمه الاحتلال حين أسر الضابط "هدار غولدين" شرقي رفح، وأدى القصف العشوائي إلى استشهاد نحو 200 فلسطيني، بينهم 75 طفلًا، في غضون 3 ساعات، وفي النهاية، قرر الجيش أن الجندي كان ميتًا بالفعل قبل تنفيذ النظام.
وفي يوليو/ تموز 2014 فعّلت قوات الاحتلال النظام وأمرت بإطلاق نار مكثف حين كان يُعتقد أن جنديًا يدعى "غاي ليفي" في عداد المفقودين خلال معركة الشجاعية".
طوفان الأقصى
وفي معركة "طوفان الأقصى" التي أطلقتها كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تزامنًا مع اقتحام مستوطنات غلاف غزة، والسيطرة على عدة مواقع عسكرية، عاد نظام "هنبيعل" للواجهة مجددًا، لكن مع توسيعه ليشمل المستوطنين إلى جانب الجنود، لمنع حماس من أسرهم.
وخلال هذه المعركة، أسرت كتائب القسام نحو 250 إسرائيليًا، بينهم عشرات الجنود والضباط.
وفي نوفمبر/ تشرين ثاني 2023، كشف تحقيق لشرطة الاحتلال عن مسؤولية الجيش عن قتل مئات الإسرائيليين والأجانب الذين كانوا يشاركون في حفل موسيقي بغلاف غزة يوم 7 أكتوبر، وفق ما نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية.
وخلص تحقيق لشرطة الاحتلال إلى أن "طائرة حربية إسرائيلية قصفت على ما يبدو إسرائيليين قرب ريعيم بغلاف غزة".
ووفق التحقيقات؛ فإن مروحية حربية انطلقت من قاعدة "رمات داڤيد" وقصفت المتواجدين في المنطقة، ولاحقًا أُعلن عن مقتل 364 من المشاركين في الحفل الموسيقي.
وفي 8 آب/ أغسطس2024، كشفت وثائق حصلت عليها صحيفة "هآرتس"، بالإضافة إلى شهادات الجنود وضباط الجيش من الرتب المتوسطة والعليا، عن مجموعة من الأوامر والإجراءات التي وضعتها فرقة غزة والقيادة الجنوبية وهيئة الأركان العامة للجيش تُظهر مدى انتشار هذا الإجراء (هنيبعل)، منذ الساعات الأولى بعد الهجوم وفي نقاط مختلفة على طول الحدود.
وقالت الصحيفة: "لا تعرف عدد المدنيين والجنود الذين أصيبوا بسبب هذه الإجراء، لكن البيانات التراكمية تشير إلى أن العديد من المختطفين كانوا في خطر، وتعرضوا لإطلاق النار الإسرائيلي".
بدورها، قالت الكاتبة الإسرائيلية نوعا ليمون في مقالة بصحيفة "هآرتس": إن "روايات الناجين من حادثة احتجاز الرهائن في بئيري في 7 أكتوبر تعطي الانطباع بأن الجيش استخدم ما يسمى بتوجيه هنيبعل مع الأشخاص الذين تحتجزهم حماس كرهائن داخل أحد المنازل في الكيبوتس".
وفي 9 أيلول/ سبتمبر 2024، خلص تحقيق نشره موقع هيئة الإذاعة الأسترالية (إيه بي سي) نتائجه، إلى أن جيش الاحتلال استخدم "بروتوكول هنيبعل" في 7 أكتوبر، لمنع حماس من أسر جنود إسرائيليين، ما أدى إلى مقتل مستوطنين.
وكان الناطق باسم القسام أبو عبيدة، أعلن في مرات عديدة، عن مقتل عدد من أسرى الاحتلال، بفعل القصف الإسرائيلي على قطاع غزة.
وفي كانون الثاني/ديسمبر الماضي، قالت حركة حماس إن 33 أسيرًا إسرائيليًا قُتلوا وفقدت آثار بعضهم مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وأمس الثلاثاء، قال رئيس حركة المُقاومة الإسلامية (حماس) في غزة خليل الحية، إن الحركة والمقاومة قررت تسليم 4 من جثامين أسرى الاحتلال غدًا الخميس، من بينهم جثامين عائلة "بيباس" التي قتلها الاحتلال.
بدوره، أعلن الناطق باسم كتائب المجاهدين أبو بلال أنه سيتم غدًا الخميس، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى مع المقاومة، تسليم جثامين عائلة بيباس التي تم أسرها في 7 أكتوبر 2023.
وأشار إلى أنه تم الحفاظ عليهم وفق تعاليم الإسلام قبل أن يتعرضوا للقصف من الاحتلال الإسرائيلي، مما أسفر عن مقتلهم واستشهاد المجموعة الآسرة.
وفي 1 شباط/فبراير الجاري، أفرجت كتائب القسام عن الأسير "ياردن بيباس" ضمن الدفعة الرابعة من المرحلة الأولى من "صفقة طوفان الأقصى" لتبادل الأسرى.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، قالت حماس إنّ الاحتلال قتل أفراد العائلة، وهم الزوجة وطفلاها خلال قصف عنيف على قطاع غزة.
وكانت القسام نشرت في 30 من الشهر نفسه، رسالة مصورة للأسير "بيباس" طالب فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالعمل على استعادة جثامينهم لكي يدفنوا في "إسرائيل".
