غزة- مدلين خلة - صفا
لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي باعتقال مدير مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة الطبيب حسام أبو صفية، وتعرضه للتنكيل والتعذيب، بل حوّله إلى الاعتقال بموجب قانون "المقاتل غير شرعي".
وفي 12 شباط/فبراير الجاري، أصدر قائد المنطقة الجنوبية في قوات الاحتلال أمرًا بتحويل الطبيب المعتقل أبو صفية (52 عامًا)، للاعتقال بناءً على قانون "المقاتل غير الشرعي"، بدلًا من المحاكمة العادية.
هذا القانون ينتهك على نحو خطير الحق في ضمانات المحاكمة العادلة، ويحرم المعتقل من حقه في إبلاغه بالتهمة المنسوبة، وفي مناقشة أدلة الاتهام، وبالتالي يفقد القدرة على الدفاع عن نفسه.
ويشكل القانون مساسًا خطيرًا باتفاقية جنيف الرابعة، إذ يمنح رئيس أركان جيش الاحتلال الحق في اعتقال أي شخص بناءً على شك بأنه قد "يشكل تهديدًا أمنيًا، وأن إطلاق سراحه قد يمس بأمن إسرائيل، كما يتيح احتجاز الشخص لفترة غير محددة دون لائحة اتهام واضحة".
ووفقًا لهذا القانون، فإن على الشخص المحتجز أن ينتظر لمدة (45) يومًا لتثبيت أمر الاعتقال من قبل المحكمة المركزية في بئر السبع، ولمدة (6) أشهر قابلة للتمديد.
مختصون وحقوقيون أجمعوا على أن تحويل الطبيب أبو صفية لـ "مقاتل غير شرعي" يشكل انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة، ومحاولة لإخضاعه لأبشع وسائل التحقيق والتعذيب دون غطاء قانوني.
خطورة القانون
ويعاني الطبيب أبو صفية وضعًا صحيًا صعبًا، إثر التعذيب الذي تعرض له في سجون الاحتلال. وفق ما يقول محامي أبو صفية من مركز الميزان لحقوق الإنسان لوكالة "صفا"
وبضيف المحامي أن "التعذيب والتحقيق الذي تعرض له الطبيب حسام وهو بداخل قطاع غزة، قبل نقله إلى سجون الاحتلال كان همجيًا، اُستخدمت بحقه أساليب لا تحترم مكانة الطبيب الإنسانية".
ويوضح أن التهمة الموجهة للطبيب أبو صفية هي "استمرار تواجده داخل مستشفى كمال عدوان، رغم تهديد جيش الاحتلال له، عدا عن كونه يعمل ضمن إطار حكومة غزة التابعة لحركة حماس".
ويتابع أن "التهم الموجهة له لا تُحيله إلى مقاتل غير شرعي، وتنفي عنه حقوقه كأسير، والتي أقرتها اتفاقية جنيف الرابعة".
وإصدار قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال لهذا القرار بحق أبو صفية عمل على توقيفه لمدة 45 يومًا حتى تثبيت المحكمة الإسرائيلية أمر الاعتفال بحقه. وفق المحامي
ويبين أنه وبعد تثبيت المحكمة لقرار "المقاتل غير الشرعي" يُحول أبو صفية للحبس الفعلي لمدة 6 شهور قابلة للتجديد.
ويقول: إن "المقاتل غير الشرعي ومع تشابهه ظاهريًا مع الاعتقال الإداري من حيث إمكانية تجديد المدة، إلا أنه يختلف جوهريًا".
ويضيف أن "المقاتل غير الشرعي يعني الذي اُعتقل في منطقة حرب، وهذا ما حدث مرتين في التاريخ، الأولى خلال حرب أمريكا في أفغانستان، والثانية بالحرب الإسرائيلية على غزة، أما الاعتقال الإداري فينتهي بمجرد انتهاء خطورة الأسير، حسب اعتقاد الاحتلال".
وفي 27 كانون الأول/ديسمبر 2024، اعتقلت قوات الاحتلال أبو صفية، أثناء قيامه بعمله في مستشفى كمال عدوان، وحرمته من الحق في زيارة المحامي لمدة (47) يومًا.
ويعتبر مركز الميزان، هذا القرار بأنه يشكل إجراءً تعسفيًا وغير قانوني، يُثبت فشل الاحتلال في إثبات ادعاءاته ضد الطبيب أبو صفية.
ورغم عدم وجود أي أدلة لاتهام أبو صفية بأي مخالفة، إلا أن سلطات الاحتلال اختارت حرمانه من أبسط حقوقه في المحاكمة العادلة بتحويله إلى "رهينة".
تغييب قضيته
المختص في الشأن الإسرائيلي ساري عرابي، يرى أن "المفهوم الإسرائيلي لمقاتل غير الشرعي ما هو إلا غطاء قانوني لحبس واعتقال المواطنين في مناطق القتال، والذين لا ينتمون للمقاومة".
ويقول عرابي في حديث لوكالة "صفا": "من الواضح تمامًا أن الهدف من تصنيف الدكتور حسام بالمقاتل غير الشرعي، إطالة أمد اعتقاله، وتسويغه، كونه طبيبًا نال شهرةً عالميةً وتفاعلًا كبيرًا مع قضية اعتقاله من مستشفى كمال عدوان، بعد صمود أسطوري".
ويوضح أن الهدف الحقيقي للاحتلال من إصدار هذا القرار هو التنكيل بالطبيب أبو صفية بالدرجة الأولى، ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن الاحتلال يتعامل مع الكل الفلسطيني كونهم "مقاتلين غير شرعيين".
ويردف أن "هذا القرار يعيد إلى الأذهان تصريحات وزير جيش الاحتلال السابق يوآف غالانت ونفيه وجود أبرياء داخل قطاع غزة، في إشارة إلى أن كل من يحتضن المقاومة ويقوم بعمله الإنساني، كطبيب أو معلم أو عامل في الدفاع المدني أو صحفي يجب أن يُعامل كونه عسكريًا".
ويهدف قرار تحويل أبو صفية لـ"مقاتل غير شرعي"_وفقًا للمختص عرابي_ إلى تغييب قضيته والتفاعل العالمي معه وتبرير وجوده داخل معتقلات الاحتلال إلى اليوم، وأيضًا، إثارة الجدل حول ماهية عمله داخل المشفى وبقائه داخله حتى لحظاته الأخيرة.
ويشدد على أن كل فلسطيني مدني بنظر الاحتلال هو "مقاتل غير شرعي"، يجب اتخاذ أقصى عقوبة بحقه.
وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصدر وزير الجيش الإسرائيلي السابق يوآف غالانت قرارًا يقضي باعتبار جميع المعتقلين من قطاع غزة "مقاتلين غير شرعيين"، بناءً على قانون صُدّق عليه عام 2002 في الكنيست، وكذلك احتجازهم في معسكر "سدي تيمان".
غياب المحاسبة
وأما المحلل السياسي حسام الدجني، فيقول: إن "إسرائيل تحاول من خلال تحويل أبو صفية لقانون المقاتل غير الشرعي سحب أي حماية عنه بصفته طبيبًا له مكانته العلمية والعملية، وفقًا لاتفاقية جنيف، وكذلك طبيعة اعتقاله وهو على رأس عمله".
ويضيف في حديث لوكالة "صفا"، أن هذا القرار ما هو إلا ذريعة تستخدمها "إسرائيل" أمام المجتمع الدولي، كي تفعل بالدكتور ما تشاء دون أي محاسبة أو مساءلة.
ويؤكد على ضرورة أن يكون هناك فعل مضاد من المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية وذات الشأن، مثل منظمة الصحة العالمية وغيرها، للضغط على الاحتلال بشأن إلغاء هذا القرار والإفراج الفوري عن أبو صفية، كونه اُعتقل من داخل المشفى ولم يغادرها طوال فترة الحرب، وكان يُؤدي واجبه فقط في تقديم الخدمات الطبية للمرضى والجرحى.
ر ش
