غزة- مدلين خلة - صفا
تعمد الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، استهداف البنية التحتية وتدمير شبكات المياه، سيما في شمالي القطاع، في خطوة تهدف إلى قطع شريان الحياة وحرمان الغزيين من أبسط حقوقهم.
ومع تدمير الاحتلال أكثر من 330 ألف متر بشكل طولي من شبكات المياه، وخروج 717 بئرًا عن الخدمة في محافظتي غزة والشمال، أصبح الحصول على المياه معاناة إضافية تعصف بالغزيين العائدين إلى مناطق سكناهم.
وتزداد الأزمة سوءًا في مخيمات النزوح التي عانى قاطنوها ويلات التهجير والتدمير والجوع، حتى أصبحوا يُصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة، بحثًا عن قطرة ماء تروي ظمأ أطفالهم.
ويحاول أهالي شمالي القطاع إعادة نبض الحياة إلى المحافظة التي مُسحت معالمها، رفضًا لمشاريع التهجير التي يُنادي بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
صراع البقاء
وعلى باب خيمتها في مخيم جباليا، تجلس الأربعينية زهرة الشندغلي ترقب مرور صهريج ماء، لتملأ جالوناتها، حتى تتمكن من استخدامها لاحقًا.
تقول الشندغلي في حديث لوكالة "صفا": "نفتقد للماء الصالح للاستخدام والشرب منذ أيام، نقطع مسافات طويلة من أجل الفوز ببعض القطرات التي ربما تُعين على غسل وجوه صغاري".
وتضيف "لم يستحم أطفالي منذ مدة، وكثير من الأوقات أكتفي بتنظيف وجوههم بالمحارم المبللة، لا يوجد ماء حتى لتنظيف الملابس والأواني المتسخة، الوضع غاية في الصعوبة، ولا نستطيع تحمل عواقبه".
وتقطع الشندغلي، التي تُعيل أطفالها بعد استشهاد زوجها خلال اجتياح جباليا، طريقًا ترابيًا طويلًا مليء بالعثرات، علها تجد بعض اللترات من الماء.
وتتابع "أتحمل مشقة السير مسافات طويلة للحصول على الماء، الذي يكون لاستخدام يوم واحد، وربما ساعات منه".
وتتساءل "بالكاد أجد الماء الصالح للشرب، فكيف لي توفير ما يكفي لباقي احتياجاتنا؟".
وتُحمل الشندغلي المجتمع الدولي مسؤولية ما تعيشه وأطفالها، متساءلة "أين المؤسسات الدولية مما فعله الاحتلال بنا، أين شعاراتهم الرنانة بضرورة إنقاذ غزة وتوفير حقوقها، ألا يعلمون أن الماء حق يجب أن يتوفر بشكل مستمر، أم أنهم ينتظرون وفاتنا عطشًا لنصبح أيقونة لشعاراتهم؟".
إغاثة عاجلة
وأما المواطن حسن أبو وردة، الذي يُقيم داخل خيمة على أنقاض منزله المدمر في جباليا، يواجه تحديًا أكبر من إزالة الركام، وهو توفير المياه لعائلته، بغية البقاء على قيد الحياة.
يقول أبو وردة لوكالة "صفا": "لم أغادر منطقتي طوال فترة الحرب ولن أتركها أبدًا، لكن كيف لي ولعائلتي العيش دون ماء، لقد أصبح الحصول على شربة واحدة حلمٌ بعيد المنال".
ويضيف "أقطع مسافات طويلة للحصول على الماء، ويكون بمبلغ مرتفع، لكن لا يهمني ثمنه بقدر أنه يكون شحيحًا والجميع يتوارد إليه ليحظى ببعض اللترات".
ويتابع "مع شح المياه أصبحت الأولويات والضروريات الأهم في حياتنا، فالاستحمام أصبح نادرًا، وغسيل الملابس بات من الماضي".
و"يقتصر استخدام الماء الذي نستطيع الحصول عليه، على الشرب وغسل الوجه فقط، وأحيانًا غسل الأواني المتكدسة منذ أيام". وفق أبو وردة
ويتابع "نحن لا نرى من المؤسسات الدولية سوى الكلام، وليس التنفيذ، متى حاولوا مساعدتنا قبل أن نموت، وكأن الموت عطشًا أصبح واقعا كي يتحركوا".
ويطالب الأهالي بضرورة توفير مقومات الحياة وإمداد الشمال المنكوب بشبكات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام وإعادة الإعمار.
ويقول المواطن فايز الددة لوكالة "صفا": "نصبت بعض الشوادر إلى جانب الغرفة الباقية من منزلي المدمر لأتمكن من العيش وعائلتي فيها".
ويضيف "سنعيش جميعًا في هذا المكان، الذي سيكون لكل شيء للنوم وإعداد الطعام والاستحمام"، مشيرًا إلى أنه ينتظر دخول الكرفانات والخيام علها تساعد في عودة الحياة لطبيعتها.
ويشدد على أن الدمار الذي خلفه الاحتلال في شمالي القطاع عمد من خلاله إلى طمس كل معالم الحياة، فلا طرق للسير ولا شبكات للصرف الصحي ولا مياه.
ويشير إلى أن غالبية السكان أنشأت آبارًا ارتوازية كبديل عن شبكات الصرف الصحي، رغم خطورة هذه الآبار التي ستعمل على انتشار الروائح الكريهة والأمراض بين المواطنين.
ولا تختلف معاناة المواطن محمد نبهان عن سابقيه، فهو الآخر يحاول توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية، من أجل استمرار بقائه على أرضه.
يقول لوكالة "صفا": "لا ينبغي أن يكون كسر مشروع التهجير عبر خلق بيئة صعبة بغزة، بل لابد من خلق مقومات أساسية للبقاء والصمود في وجه مخطط ترمب".
ويؤكد أن إعادة الحياة لشمالي القطاع وإمداده بالمستلزمات الأساسية، ليست مستحيلة، وإنما تحتاج لعزيمة وتكاثف الجهود الداخلية والخارجية.
أژمة متفاقمة
الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا يحذر من تفاقم الكارثة المائية وتداعياتها الخطيرة على السكان.
ويقول مهنا في حديث لوكالة "صفا"، إن تدمير الاحتلال لآبار المياه وخطوط الإمداد خلال الحرب، أدى إلى نقص حاد في المياه، ما تسبب في أزمة عطش غير مسبوقة بين الأهالي.
ولم يقتصر التدمير الإسرائيلي على آبار المياه، بل تعداه ليشمل محطات التحلية التي تُزود المواطنون بالماء الصالح للشرب، مما فاقم الكارثة.
ويؤكد مهنا أن المياه تصل حاليًا لنحو 40% من مساحة مدينة غزة، مشيرًا إلى أن البلدية تعمل على تأمين حلول عاجلة لإغاثة السكان.
ويبين أن توفير المعدات اللازمة لإصلاح البنية التحتية للمياه، يمثل أولوية قصوى يجب العمل عليها سريعًا.
ويحذر مهنا من حدوث كارثة بيئية خطيرة، جراء شح المياه وتراكم النفايات، وتسرب الصرف الصحي، ما يتسبب بانتشار الأمراض والأوبئة بين السكان، ويزيد تعقيدات الوضع الإنساني.
ويناشد المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية بسرعة التدخل لتوفير المولدات والمعدات الضرورية لإعادة تشغيل آبار المياه المتوقفة.
ر ش
