القضاء على المقاومة، وتهجير أهالي قطاع غزة، واستعادة الأسرى الإسرائيليين، والاستيطان، كانت هذه أبرز أهداف الاحتلال المعلنة رسميًا وغير رسميًا منذ بدء حرب الإبادة الجماعية.
واستهلت "إسرائيل" عدوانها على غزة، بقصف المستشفيات والمدارس وطواقم الإغاثة ومنازل المدنيين، أعقبها قصف خيام النازحين والمناطق المصنفة "آمنة"، وقتل الصحفيين.
ووضعت "إسرائيل" نصب أعينها منذ بدء العدوان، القضاء على حماس وفصائل المقاومة، وتصفية قادتها وإبعادهم، والرفض الكامل للتفاوض على أي من أهداف الحرب.
ويقول الباحث في الشأن السياسي محمد القيق إن الناطق باسم القسام "أبو عبيدة" وجه خطابا نهاية أكتوبر 2023 قال فيه للاحتلال: "إما أن تأتي بصفقة أو تذهب لحرب استنزاف طويلة"، بينما تحدث نتنياهو بعبارة: "الضغط العسكري سيعيد الأسرى أكثر من 76 مرة".
ويضيف القيق في حديث لـ"صفا" أن الأهداف الأساسية الثلاثة لنتنياهو لم تتحقق، سواء بالسحق أو إعادة جنوده وضباطه الأسرى أو بما يعرف باليوم التالي، وإنما انعكست جميع أهداف الاحتلال إلى رصيد للمقاومة في غزة وقضيتها وشعبها.
ويلفت إلى أن فشل أهداف نتنياهو تحولت فورا إلى إنجاز للمقاومة، وفوق ذلك أصبح مجرما بحسب القانون الدولي، وأصبحت "إسرائيل" تحاكم في المحكمة الدولية، وتعاني من العزلة وسحب السفراء، عدا عن امتعاض الدول الحليفة وصورتها السلبية أمام العالم بفعل طوفان الأقصى.
ويرى الباحث أن الفشل في تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية في الحرب، ووالاستعاضة عن ذلك بالإبادة الجماعية والدمار وهدم البيوت وقتل الأطفال والنساء، يعني أن "الاحتلال يسير إلى التلاشي"، إلى جانب القصف الذي تعرض له من اليمن وفقدان الأمن الشخصي داخل تل أبيب بعد عملية الطعن أمس.
وينبه إلى أن الإدارة الأمريكية منحت الاحتلال مائة يوم إضافية، ليفعل خلالها ما يشاء لتحقيق أهدافه، فمارس خلالها أبشع جرائم الإبادة الجماعية التي عرفتها البشرية في شمال القطاع، دون قدرته على تحرير أسير واحد.
ويؤكد أن "قوات الاحتلال لم تشعر بدقيقة من الأمان خلال وجودها في قطاع غزة، حتى في المناطق التي اعتبرها مطهرة تم القضاء على جنوده".
ويتطرق القيق إلى تصوير إعلام الاحتلال ما يجري بالفشل السياسي، مشددا على أن الاحتلال مني بهزيمة عسكرية في غزة، وتعرض جنوده للإرهاق وضيق النفس وبات الجنود والضباط يطالبون بالخروج من القطاع في كل وقت، لافتا إلى أن الإعلام يسوّق القضية على أنها هزيمة سياسية وفي الحقيقة كانت هزيمة عسكرية على الأرض.
ويشدد القيق في حديثه، على أن المقاومة استطاعت كسر الحواجز في ملف الصفقات، إذ إن الكنيست كان صدق على منع إجراء صفقات، فيما أظهرت فحوى المفاوضات أن المقاومة كان لها استقلاليتها من خلال مفاوضتها لأمريكا، في حين تبعية "إسرائيل" للقرار الأمريكي.
وبحسب القيق، فإن ما حدث لـ"إسرائيل" خلال معركة طوفان الأقصى لن تتعافى منه خلال سنوات طويلة، على صعيد الأمن الداخلي والسياسي والعلاقات مع الدول، وأن ما بنته خلال عشرات السنوات هدمته في عام ونصف.
ويقول الباحث إن "المشهد الحالي فرصة ذهبية للفلسطينيين لأخذ قوة غزة وانتصارها لمشهد البيت الفلسطيني والوحدة الوطنية، وأن من يحاول إضاف غزة سيكون ضعيفا أمام الاحتلال وسيلتهمه".
ويضيف "هذه رسالة غير مباشرة للدول العربية بأن ينظروا للفلسطينيين نظرة سياسية، وأن لا يديروا انقسامات، بل يحافظوا على مصالحهم بوحدة الفلسطينيين حتى تحفظ الأراضي العربية من الضم والاستيطان".
بدوره، يقول المحلل السياسي نجيب مفارجه إن "الاتفاق الذي وصلت إليه المقاومة مع الاحتلال، يلخص مسيرة الحرب بأكملها، ولو قرأ الاتفاق في أسوأ حالاته، يمكن قراءته باتفاق الند للند، مع فارق التسليح والإمكانيات والدعم الدولي، فإن الكفة سترجح لصالح المقاومة".
ويضيف مفارجه، في حديث لـ"صفا" أن "معركة طوفان الأقصى هي معركة فلسطينية قرارها فلسطيني، بدأت بها المقاومة وكان هناك ردة فعل إسرائيلية، واستطاعت المقاومة إدارتها بحكمة واقتدار".
ويشير مفارجه إلى أن المقاومة وخلال أشهر الحرب الطويلة استطاعت التحكم بمجريات المعركة على الأرض، وأن لا تبقي شبرا في غزة دون أن تضرب الاحتلال فيه، وكان مقاتلوها يشنون غاراتهم وتحركاتهم بارتياح نفسي، بينما الاحتلال يقاتل من الجو ويذهب بصواريخه لقتل المدنيين وارتكارب المجازر.
ويرى مفارجه أن الاحتلال ذهب للمفاوضات تحت النار، فوجد نفسه فريسة للمقاومة، وهذا ما حصل في معارك شمال غزة وبيت حانون، وكانت تلك المعارك إحدى العوامل الضاغطة لإجبار نتنياهو التوقيع على اتفاق رفضه قبل ثمانية شهور.
ويؤكد أن المفاوض الفلسطيني لم يتنازل خلال جولات التفاوض عن أي من مطالبه، وأن المقاومة لم تتنازل عن مطالبها الاستراتيجية والمتمثلة بوقف الحرب والانسحاب الشامل وعودة النازحين، وربما أبدت مرونة في ذلك.
وفيما يتعلق بالداخل الإسرائيلي، يقول مفارجة إن "مجتمع الكيان بات يعلم أن حكومته تمارس الكذب والتضليل، وبات يدرك انعدام الأمن الشخصي، من خلال إطالة أمد الحرب دون تحقيق أي من أهدافها، واستمرار إطلاق الصواريخ من اليمن الذي أدخل الملايين في الملاجئ، حتى أن الجمهور بدأ يطالب بالدخول المباشر في المرحلة الثانية من الاتفاق.
ووفق رؤية المحلل، فإن النفس الإسرائيلي ضاق في الحرب، إلى جانب الخلافات بين المؤسسات الأمنية والعسكرية وانعدام بنك الأهداف، وكذلك انعدام أية أهداف واقعية أو منطقية للحرب.
ويقول مفارجه: "بالنظر إلى الأهداف، فإن نتنياهو لم يستطع إسقاط حماس، وهناك تصريحات لوزراء إسرائيليين قبل أسبوع أن حماس تدير القطاع والجبهة الداخلية متينة، وأن ما طلبته حماس حققته دون أن ترفع الراية البيضاء، وأن إسرائيل لم تحقق أهدافها سوى التدمير وقتل الناس بعشرات الآلاف".
