web site counter

"العلاج الطبيعي" يُعيد الأمل لمصابي غزة

غزة - آية صمامة - صفا
على سريرٍ حديدي في قسم العلاج الطبيعي بالمستشفى الأهلي العربي "المعمداني" في مدينة غزة، يجلس محمد شعبان، ورجلاه ملفوفتان بضماداتٍ بيضاء، وعكازان إلى جانبه، منتظرًا أخصائي العلاج الطبيعي لبدء تمارينه اليومية.
بصوتٍ هادئ يخفي وراءه الكثير من الألم، يتحدث محمد (43 عامًا) لوكالة "صفا" عن اليوم الذي غيّر مجرى حياته، قائلًا إنه كان يتهيأ لصلاة الفجر في مصلى مدرسة التابعين الشرعية في حي الدرج وسط مدينة غزة، وفجأة وقع قصف إسرائيلي همجي ووحشي.
وأُصيب محمد بجروح بليغة تركت آثارًا دائمة في جسده؛ فقد بسببها إحدى عينيه، وخصيته، وبُترت قدمه اليسرى، بينما وُضع بلاتين في قدمه اليمنى.
ورغم معاناته المستمرة، يرى محمد في العلاج الطبيعي أملًا للعودة إلى الحياة الطبيعية، قائلًا: إنه "يعمل على تقوية عضلاته ويتهيأ لتركيب طرف صناعي يمكنه من المشي مجددًا".
ويضيف "كل ما أريده هو أن تنتهي الحرب حتى أتمكن من استكمال علاجي في الخارج".
نقطة مضيئة
وعلى السرير المقابل، يستلقي محمد أبو حميدان، بينما يعمل أخصائي العلاج الطبيعي على تقوية عضلات قدميه برفق، محاولًا تخفيف الألم الذي يرافقه جرّاء إصابته.
محمد، الذي فقد القدرة على المشي لفترة، لا يزال يخضع لجلسات علاج طبيعي مكثفة بعد إصابته، جرّاء قصف طائرات الاحتلال السيارة التي كانت تقلّه مع عائلته، أثناء محاولتهم النزوح من شمالي القطاع إلى مدينة غزة.
ورغم الإصابات الخطيرة وفقدانه لإحدى عينيه، يرى محمد في العلاج الطبيعي نقطة مضيئة على طريق تعافيه، فقد بدأ يشعر بتحسن تدريجي بفضل التمارين المكثفة التي ركزت على تحسين حالة رئتيه وظهره وقدميه.
ويشير محمد (27 عامًا) إلى أن أكبر مخاوفه كانت فقدان القدرة على المشي أو تحريك جسده مجددًا، إذ كان التنقل لتلقي العلاج يمثل تحديًا يوميً، نظرًا لصعوبة المواصلات وغلائها.
ويضيف أنه "مع التحسن الذي يشعر به، أصبح قادرًا على تجاوز هذه الصعوبات ومواصلة العلاج بشكل أفضل".
وأسفرت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 15 شهرًا، عن استشهاد وفقدان نحو 57 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد عن 109 آلاف آخرين. غالبيتهم من الأطفال والنساء.
دور فعّال
ويواجه أخصائيو العلاج الطبيعي العديد من التحديات، لا سيما في ظل الحصار الخانق، واستمرار الاستهداف الإسرائيلي، ونقص الكادر والأجهزة الطبية، مع ارتفاع أعداد المصابين، نتيجة الحرب المستمرة على القطاع.
ويؤكد رئيس قسم العلاج الطبيعي في المستشفى "المعمداني"، الطبيب مؤاب الحنجوري أن العديد من المرضى والجرحى يُعانون من مشاكل صحية، تشمل تيبّس المفاصل، وقصر العضلات، بالإضافة إلى إصابات الأعصاب في الأطراف السفلية، مما يحد من قدرتهم على الوقوف والمشي.
ويُوضّح الحنجوري، في حديث لوكالة "صفا"، أن هذه المشاكل تؤدي إلى فقدان الاستقلالية التامة لدى المرضى والجرحى، ما يتطلب تدخلًا عاجلًا لإعادة تأهيلهم، نظرًا لصعوبة فهمهم للتمارين العلاجية، بسبب غياب المرشدين.
وفي ظل تزايد الأعراض والأعداد، والحاجة الملحة، شعر الفريق بضرورة المبادرة لإنشاء قسم علاج طبيعي خارجي يستقبل يوميًا 100 حالة علاجية.
ويُشير إلى أن القسم بدأ العمل داخل غرفة صغيرة، ومن ثم تم تحويل كراج المستشفى إلى قسم علاج طبيعي خارجي، بهدف استيعاب عدد أكبر من الحالات.
ويُبيّن الحنجوري أن بعض الحالات تتطلب تدخلًا دقيقًا داخل قسم العلاج الطبيعي في المستشفى، والتي تشمل إصابات الأطراف العلوية والسفلية، الحبل الشوكي، الكسور، الأعصاب الطرفية، الأوعية الدموية والشرايين، بالإضافة إلى حالات البتر والحروق.
ويُوضّح أن علاج حالات الحروق يبدأ بعد التئام الجروح في الأقسام الداخلية بهدف منع المضاعفات، ثم تتم متابعة المرضى في القسم بعد خروجهم.
أما حالات البتر، فتخضع لتقييم شامل يشمل فحص طبيعة الإصابة، والقوة العضلية، وحركة المفاصل، وتحديد الأدوات المساعدة، مع تأهيل المرضى لتركيب أطراف صناعية في الخارج.
وحسب الحنجوري، فإن القسم يستقبل الحالات المحوّلة من أطباء العظام والأعصاب والحروق من داخل المستشفى وخارجه، مع توجيه المرضى إلى مراكز علاج طبيعي في غزة وفق توزيع جغرافي يُخفف من معاناة المواصلات وتكلفتها المرتفعة.
تحديات مستمرة
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها فرق العلاج الطبيعي، إلا أنها تواجه العديد من التحديات، أبرزها عدم توفر الأجهزة اللازمة لتقديم الخدمة بالجودة المطلوبة، ونقص الأدوات المساعدة مثل الكراسي المتحركة والعكاكيز، وضيق المساحة التي لا تتجاوز 70 مترًا.
ويشير الحنجوري إلى أن الفريق يُقدّم الحد الأدنى من الخدمة، إذ يتم استقبال المرضى بعد التقييم وتعليمهم التمارين اللازمة للحفاظ على العضلات وتقويتها، مما يساعدهم في أداء أنشطتهم اليومية، كما يتم تحديد واجبات يومية للمريض وأسرته.
ويؤكد أن الظروف المتغيرة وتبدل الكوادر الطبية نتيجة إجبار جيش الاحتلال بعض الزملاء على النزوح جنوبًا أو اعتقالهم أو استشهادهم، جعلت من الصعب تقديم إحصائيات دقيقة سابقًا، لأن القسم كان يعتمد على المتطوعين وطلبة الجامعات.
والإحصائيات المتوفرة، وفقًا للحنجوري، تشمل الأشهر الثلاثة الماضية، والتي خلالها قدّم القسم 7423 جلسة علاج طبيعي لـ 1189 مريضًا، بينهم 990 طفلًا، بالإضافة إلى تحويل 609 مرضى للحصول على أدوات مساعدة.
ر ش

/ تعليق عبر الفيس بوك